
الظروف المحيطة بالذكر النافع
ما هي الأجواء والظروف التي تجعل الذكر والورد نافعا؟ وما هي الأمور التي لها أثرٌ سلبي على الذكر؟ أسئلة تجيب عنها هذه المقالة الخامسة من سلسلة مقالاتٍ حول الذكر والورد في السير والسلوك. وجدير بالذكر أن هذه المقالات قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه
الظروف المحيطة بالذكر النافع
5الأمن السياسيّ والاقتصادي
أمّا الأمن السياسيّ، فلو أنّ الدولة الإسلاميّة لم تكن ذات أمن سياسيّ لما بقي للإنسان أيّ هدوء في فكره.
ولو لم تكن ذات أمن اقتصاديّ وفي كلّ يوم ترتفع أسعار السلع ثمّ تنخفض، فإنّ على الناس أن يبذلوا كافّة قواهم الذهنيّة وقدراتهم واستعداداتهم على موضوع معيشتهم وسيفقدون بالتالي كلّ هدوئهم.
فأين موضع تلك الروايات التي تقول: على الإنسان أن يعمل من الصباح حتّى الظهر وأن يهتمّ بنفسه في بقيّة النهار۱؟! أين موضع تلك الروايات التي تقول: المؤمن والمسلم هو الذي إذا أمّن رزق يومه فلا ينبغي أن يفكّر بغده؟!٢ هل الروايات التي وردت في كتب الحديث حول مسألة التجارة تتوافق مع مجمتع اليوم؟! هل قال النبيّ ذلك لنفسه؟!
لا أمن اقتصاديًّا في هذا العصر، فلو أراد تاجر أن يقوم بعمل فهو لا يعلم على أيّ حال سيكون في الغد، فيمكن أن يغيّر قانون وتفنى جميع أمواله.
وبصورة عامّة، إذا أراد إنسان أن يبلغ باستعداداته التي أودعها الله فيه إلى الفعليّة، فلا بدّ أن تكون ظروف المجتمع الذي هو فيه معينة ومساعدة له. فلو أنّ تلك الظروف كانت على النقيض من استعداداته فلا يمكن أن يصل إلى هدفه.
ومن هنا فعلى الحكومة الإسلاميّة أن تهيئ الأمن وسائر الظروف والقوانين المرتبطة بالحكومة العادلة من أجل الذين يريدون أن يصلوا إلى الكمال. إن كان الوصول إلى الكمال والفعليّة حقًّا فطريًّا ومسلّمًا للإنسان، فلا بدّ أن تُهيّأ كافّة الظروف لهذا الإنسان، ولو قال ملايين الناس: نحن لا نريد تلك الظروف.٣
حضور الذهن والسكون والصمت
سُمع عن المرحوم الوالد رضوان الله عليه وأساتذته أنّ حضور الذهن وتوجّه النفس والاطمئنان والسكون والطمأنينة شرط لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يمكن اجتنابه في جلسة الذكر، وبصورة عامّة في الجلسات العرفانيّة والمعارف الإلهيّة.٤ لذلك فنحن لدينا توصية بأنّ من أراد أن يصلّي فمن الأفضل أن يجلس بضع دقائق قبل الصلاة بحالة سكون على سجّادته، فيتوجّه ويخلّي ذهنه من المسائل المختلفة. وبصورة عامّة في الموارد التي هي ذات بعد عباديّ من الأفضل أن يأتي الأفراد بمزيد من حضور الذهن.
- نهج البلاغة (عبده) ج ٤، ص ٢٢٩: «لِلمُؤمنِ ثَلاثُ ساعاتٍ: فَساعَةٌ يناجى فيها رَبّهُ، و ساعةٌ يرُمُّ مُعاشَه، و ساعةٌ يخَلّى (فيها) بينَ نَفسِهِ و بينَ لَذّتِها فيما يحِلُّ و يجمُلُ. ولَيسَ لِلعاقلِ أن يكونَ شاخِصًا إلّا فى ثلاثٍ: مَرَمَّةٍ لِمعاشٍ، أو خُطوَةٍ فى معادٍ، أو لَذَّةٍ فى غَيرِ محرَّمٍ.»
- غررالحكم و دررالكلم، ص ٦٦٢: «مَنِ إهتَمّ بِرِزقِ غَدٍ لَم يفلِح أبَدًا.» بحارالأنوار، ج ٧٤، ص ٦٧: «قالَ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: "يا علىُّ، لا تَهتَمَّ لِرزِقِ غَدٍ؛ فإنَّ كلِّ غَدٍ يأتى بِرزِقِهِ."» (المحقّق)
- مقطع من عنوان البصري ۱٢.
- للأوقات المختلفة تأثير في حضور الذهن، ففي إحصاءٍ لعلامات امتحان إحدى الجامعات التفتوا إلى أنّ الامتحانات التي تجري في الصباح تختلف كثيرًا عن تلك التي تجري الظهر أو بعده، وهي ذات نتائج أفضل. وتلك هي حقيقة المسألة، لأنّ الأمور المختلفة لا تكون قد هجمت على الإنسان في الصباح، وحضورُ ذهنه واستعداده لفهم الموضوعات يكون أكثر وأعمق.
