
الظروف المحيطة بالذكر النافع
ما هي الأجواء والظروف التي تجعل الذكر والورد نافعا؟ وما هي الأمور التي لها أثرٌ سلبي على الذكر؟ أسئلة تجيب عنها هذه المقالة الخامسة من سلسلة مقالاتٍ حول الذكر والورد في السير والسلوك. وجدير بالذكر أن هذه المقالات قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه
الظروف المحيطة بالذكر النافع
8وقد تحدّثنا في الجلسة السابقة عن أنّ المرحوم الوالد رضوان الله عليه قال من باب إتمام الحجّة على رفقائه وتنبيههم على أعمالهم وكيفيّة سلوكهم: لا تظنّوا أنّه يكفي أنّكم أسميتم أنفسكم سلاّكًا، فإنّه ليس بين الله وبين أحدكم قرابة ومداراة. فلو أنّ إنسانًا عمل وخطا بقدم صدق فإنّه سيرى نتيجة ذلك، وإلاّ فبمجرّد التسمّي باسم السلوك والحركة نحو المبادئ العالية لن يحصل الإنسان على نتيجة.
رسالة آية الله الأنصاري إلى العلامة الطهراني رضوان الله عليهما وتأكيدها على المراقبة
وفي الرسالة التي كتبها آية الله الشيخ محمّد جواد الأنصاري الهمداني للمرحوم الوالد رضوان الله عليهما كتب له حول المراقبة والاستعداد والظروف المعدّة للحركة:
"بعد ترك الأهواء الممنوعة شرعًا (كالآمال والميول النفسيّة التي لا شكّ في حرمتها والتي حذّر منها الشارع) فإنّ الأمور التي تسبب الملل هي عبارة عن: كثرة الطعام، وكثرة الكلام، وكثرة مجالسة أهل الغفلة."۱
فالأمر الأوّل: كثرة الطعام: وقد ورد حول هذا الموضوع الكثير من الروايات٢ وستأتي مطالب حول ذلك في الحديث الشريف عن عنوان البصريّ.
والأمر الثاني: كثرة الكلام: يتأذّى البعض من السكوت في المجالس، ويتصوّرون أنّ المجلس بغير كلام، فارغٌ وضعيف، ولم يمض كما ينبغي.٣
لقد كانت لي صلة وثيقة بالعلامة الطباطبائي رضوان الله عليه، وكثيرًا ما كنت أشارك في مجالسه، وكنت شاهدًا أنّه حتّى لو مضت ساعة يبقى ساكتًا ما لم يطرح عليه أحد سؤالاً، وكان صامتًا بشكل كامل.٤
السكوت يحفظ حالات السالك والكلام يضيّعها
إنّ الكلام الكثير في مسائل اللهو وغير الضروريّة ليس في صالح السالك، وحتّى الكلام الصحيح هو أيضًا يسبّب ذهاب رزانة الإنسان. إنّ السكوت يؤدّي أن يحفظ السالك استعداده ورزانته التي حصّلها بواسطة المراقبة، وأن يبقى ما جمعه في جعبته. في حين أنّ الكلام ولو كان صحيحًا فهو كإيجاد ثقب يؤدّي إلى الوقوع التدريجيّ لما في تلك الجعبة، أمّا الكلام الباطل والمخالف للشرع فهو لا يستحقّ أن نتحدّث عنه! هكذا جعل الله الأثر التكوينيّ لكثرة الكلام، وليس هذا من المسائل الاعتباريّة التي تخضع للتغيير والتغيّر.
- . مطلع انوار، ج ٢، ص ٣٣٥.
- . رجوع شود به رساله لبّاللباب، ص ۱٢٢ و ۱٢٣؛ رساله سيروسلوك بحرالعلوم، ص ۱٥٩.
- . راجع رسالة لبّ اللباب، ص ۱٢٢؛ رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحرالعلوم، ص ۱٩٤؛ آيين رستگارى، ص ۱٣۱.
- . الشمس الساطعة، ص ۱٩ و ص ۸۰.
