
الظروف المحيطة بالذكر النافع
ما هي الأجواء والظروف التي تجعل الذكر والورد نافعا؟ وما هي الأمور التي لها أثرٌ سلبي على الذكر؟ أسئلة تجيب عنها هذه المقالة الخامسة من سلسلة مقالاتٍ حول الذكر والورد في السير والسلوك. وجدير بالذكر أن هذه المقالات قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه
الظروف المحيطة بالذكر النافع
7وعلى العکس فإنّ الشياطين دائمًا يقولون: لا بدّ أن نغوي فلانًا ونمنعه من طريق الهداية، ولنَقُلْ تلك الكلمة لفلان، ولنصرفْ فلانًا عن العبادة ونوقعه في المعصية.۱ كلّ ذلك ناشئ من الاضطراب والتشويش.
الجلوس مع أهل الهدوء دواء ومع أهل التشويش سمّ
وأفراد الناس أيضًا هم كذلك، فبعضهم أصحاب نفوس هادئة، بحيث يطمئنّ الإنسان إذا ما جلس وتحدّث معهم، فالجلوس مع غير المضطربين وأصحاب النفوس الهادئة أشدّ ضرورة للإنسان من أيّ دواء.
ولكن يحصل للإنسان الاضطراب والتشويش من مجالسة البعض. فهؤلاء يتحدّثون عن هذا الناحية وعن تلك، وهم دائمًا في تشويش واضطراب لا يمكنهم أن يجلسوا هادئين، بل لا بدّ أن يطرحوا مطلبًا، وإلاّ فهم يعتقدون أنّ المجلس حتمًا سيمضي لغوًا بغير فائدة، ولن يحصلوا منه على شيء. حتّى لو لم يتحدّثوا فإنّ مجرّد الجلوس مع أفراد كهؤلاء أشدّ خطرًا لنفس السالك من السمّ الهالك.
هدوء العلامة الطباطبائي
لقد كان المرحوم العلامة الطباطبائي إنسانًا هادئًا٢؛ فلو جلس عنده أحد ساعة فما لم يسأل لا يجيب هو ولا يتكلّم، فنفس هذا الإنسان هادئة.٣
فلکي تکون المطالب التي تنقل عن المرحوم العلامة أو سائر الأعاظم أوقع في النفوس، لا بدّ من الاستعداد والتهيئة المسبقين. لذلك فإنّ الحديث والكلام الزائدين قبل الجلسات يتعارضان مع أهداف هذه الجلسات. ومن الجيّد أن يأتي الأصدقاء على استعداد حتّى نستفيد نحن أيضًا من بركة أنفاسهم. فكلّما كانت النفوس تتمتّع باستعداد أكثر فإنّ بإمكانهم أن يؤثّروا ويتأثّروا أكثر بناء على قاعدة الأواني المترابطة. ٤ و٥
ضرورة المراقبة لتحصيل السكون والاستعداد للذكر
كما لا نتيجة للإنسان بغير التدرّب والممارسة والاختبار والحذاقة في الفنّ، فكذلك في السلوك والصعود إلى المراتب العليا ورفع الحجب الظلمانيّة والنورانيّة أيضًا هناك حاجة إلى المراقبة وإلا فإنّ هذه الحركة ستتوقّف.
فبما أن النفس الإنسانيّة مستعدّة وهيولانيّة، فلا شكّ أنّه يمكن تغييرها إلى الكيفيّة التي يريدها الإنسان، ولكن لا بدّ في هذه الحركة النفسيّة من تهيئة ظروف الوصول إلى الهدف، والابتعاد عن كلّ ما يسبّب التخطّي والانحراف عن المسير، وإلاّ فلن تكون هناك أيّة نتيجة لهذا السير والسلوك.
- ولو فُتحتِ الأعين لرأيتم ما الخبر!
- . الشمس الساطعة، ص ۱٩ و۷٦.
- . لمزيد من الاطلاع حول ضرورة مراعاة الصمت والسكوت في طريق السير والسلوك راجع لبّ اللباب ص ۱٢٢؛ رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحرالعلوم، ص ۱٩٤؛ آيين رستگارى، ص ۱٣۱.
- . الکلام من أول هذه المحاضرة إلى هنا هو القسم الأول من الجلسة الثانية والعشرين من شرح حديث عنوان البصري، وقد نقل إلى هنا لمناسبته لموضوع الورد والذكر.(المحقق)
- . آيين رستگارى، ص ۱٤۱ (سبیل الفلاح قيد الإعداد):
أحد الأمور الضروريّة الأخرى: الابتعاد عن محيط القلق والتشويش والاضطراب؛ لأنّ الإنسان حينما يكون في هذه المعارك من التشويش والاضطراب، فسوف تُؤثّر عليه العلاقات المسمومة، والتعامل المسموم، والكلام المسموم، سوف تُؤثّر على روح الإنسان وتدمرها.
إنّ النفوس كالأواني المرتبطة، إنّ أحد القواعد الفيزيائيّة، قاعدة الأواني المرتبطة، وقاعدة الأواني المرتبطة هي التالي: إذا أضيف سائلٌ لأحد الأواني فسوف يتساوى مستوى السائل في الجميع، والقلوب بهذا النحو أيضًا، فعندما يحصل ارتباطٌ بين قلبين كما يحصل بين الأوعية المرتبطة، فإنّ المعاني التي تقع في أحدهما تذهب إلى الآخر، فإذا كان الوعاء الأعلى ملكوتيّاً فسيجعل الوعاء السفلي ملكوتيّاً أيضًا وبنفس المستوى، ولكن إذا كان الوعاء الأعلى ملوّثًا، مثلًا: كان فيه خلٌّ العنب، أو خلّ الحُصرم، أو سائل متعفّن، فسوف يتلوّن الوعاء السفلي بلونه أيضًا، ولذلك يجب على الإنسان أن لا يجالس الأفرادَ الخبيثين، أو عبّاد الدنيا، ومَن كان همّه وغمّه الدنيا؛ لأنّهم يجذبون قلب الإنسان ويجلبونه إليهم.
«مَن أَصبَحَ وأكبر هَمِّهِ الدنيا فليس مِنَ اللَهِ في شَيء» (*)، فالبشر حتّى لو كانوا جيّدين وكانوا مُصلّين ويُؤدّون جميع التكاليف، إلّا أنّهم على فئتين؛ فئةٌ يُؤدّون الصلاة ويصومون أيضًا لكنّ مقصدهم الأساسي هو الدنيا، أيّ أنّهم لا يبيعون الدنيا بالله، فإذا أتى أمر الله وأتت في مقابله مصلحةٌ ماديّةٌ، فإنّهم يُقدّمون المصلحة الماديّة، ومعاشرة هؤلاء فيها ضررٌ على الإنسان، يعني: مثل تلك الأواني المرتبطة، يجذبون قلب الإنسان إلى سطحهم، والإنسان إذا ارتبط بأيّ واحدٍ من هؤلاء فإنّهم يجذبونه إلى بؤرتهم الوجوديّة ويدعونه إلى أفكارهم، فكلّ مَن يدعو الإنسان، أو يسلّم عليه أو يجيب على سلامه أو يستأنس به، فإنّ نفسه تجذب ذلك الإنسان نحوها، سواءً كانت هذه النفس جيّدةً أم سيّئةً، قبيحةً أم حسنةً.
يجب على السالك أن يبقى مُتيقّظًا كي لا يكون طعمةً للذئب، بل يفتح أمامه باب حديقة الرحمة، يجب عليه أن يذهب دومًا إلى النفوس الملكوتيّة والروحانيّة، فيتعامل مع أمير المؤمنين عليه السّلام ومع ميثم ومع تلك الأرواح الطيّبة الطاهرة، لا أن يذهب إلى الطرق المنحرفة، والتحكّم بهذا الأمر بيد نفس الإنسان.
(*) مجموعه ورام، ج ۱، ص ۱٣۰ مع أدنى تفاوت.
