انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

يتم تشغيل هذا الملف الصوتي
جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة

الظروف المحيطة بالذكر النافع

14٬413
مدرسة الوحي
الجلسات

ما هي الأجواء والظروف التي تجعل الذكر والورد نافعا؟ وما هي الأمور التي لها أثرٌ سلبي على الذكر؟ أسئلة تجيب عنها هذه المقالة الخامسة من سلسلة مقالاتٍ حول الذكر والورد في السير والسلوك. وجدير بالذكر أن هذه المقالات قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه

الظروف المحيطة بالذكر النافع

6
  • ضرورة الاستعداد لخطبة صلاة الجمعة

  • من إشكالات المرحوم العلامة الصحيحة والتي في محلّها على صلوات الجمعة الحاليّة أنّه قبل أن يقوم الخطيب بخطبته يقوم رجل آخر كمحاضر ويتحدّث مدّة ساعة. 

  • إنّ صلاة الجمعة تتمحور حول الخطيب، وهو الذي يجب أن يدير المجلس، وكلمات المحاضر ـ وإن كانت حقّة ـ تذهب ببريق موضوعات إمام الجمعة، وهذا الأمر ليس صحيحًا.۱

  • برنامج السيّد القاضي للسيد هادي التبريزي والاهتمام بالصمت

  • كان المرحوم آية الله الحاج السيّد هادي التبريزي من علماء الكاظمين المعروفين ومن تلامذة المرحوم القاضي رضوان الله عليه، وينقل المرحوم الوالد أنّ المرحوم القاضي أعطاه برنامجًا فقال: 

  • "اغتنم أمرين: 

  • الأول: محراب نافلة أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة.٢ لأنّ هناك آثارًا تترتّب على ذلك المكان وهي مشهودة.

  • والثاني: هو زيارة أهل القبور بين الطلوعين. حيث كان يقول: إذا زرت أهل القبور بين الطلوعين فاقرأ الفاتحة ثمّ اجلس بغير أن تقرأ القرآن أو أيّ شيء آخر، بل اجلس جانبًا والزم الصمت؛ فإنّ هذا السكوت مفيد جدًّا لك. فكّر في أحوال القبر والقيامة واعتباريّة الدنيا والمسائل التي تجري."

  • وكان يقول: "الذهاب إلى المقبرة عند الظهر أو بعد الظهر وفي الليل ليس له تلك الفائدة."

  • السكون والهدوء من صفات الملائكة

  • لقد كان له اهتمام كبير بالسكوت، وكان يقول:

  • "للملائكة أنواع: منهم ركّع لا يسجدون ومنهم ساجدون لا يركعون ومنهم غير ذلك٣ 

  • ولكنّ المهمّ هو أنّ الملائكة دائمًا في حال سكون وهدوء، ولا وجود للتشويش والاضطراب فيهم، على العكس من الشياطين الذين هم دائمًا في حال حركة واضطراب."

  • ثمّ يقول المرحوم القاضي متأدّبًا للمرحوم الحاج الميرزا السيّد هادي التبريزي: 

  • "نحن لسنا مع الملائكة الساكنين ولا مع الشياطين المضطربين، ولكنّا نسرّ من فعل الملائكة ونُساء من فعل الشياطين." فالملائكة ينفّذون الأوامر الإلهيّة بحال من الهدوء ﴿وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾،٤ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾.٥ فهم لا يطيعون مقام المشيئة والتقدير باضطراب، ولا يتدخّلون ولا يتصرّفون في وظائفهم، فلو أراد الله أن يصيب منطقة ما بزلزال قوته سبع درجات ريختر فإنّهم لا يجعلونه بقوّة ثماني درجات، ولو أمر بصاعقة فإنّهم لا يبدّلونها حتّى بمقدار ميليمتر واحد. ما داموا عبادًا فلا دخل ولا تصرّف ولا معنى للزيادة والإنقاص. وإذا كنّا نحن أيضًا كذلك ونظرنا إلى الحوادث نظرة عبوديّة فإنّا سنكون مثل الملائكة. يأتون بالعذاب أو بالنعمة بهدوء، وحالهم في القيام بالتقدير الإلهيّ بحيث لا يفرّقون بين اذهب و توقّف، هذا معنى سكون الملائكة.٦

    1. مقطع من محاضرة عنوان البصري ٢٢ الملحق بمحاضرة عنوان البصري ۱۸. 
    2. المحراب الذي له صندوق الآن في مسجد الكوفة هو المحراب الذي كان يصلّي فيه أمير المؤمنين عليه السلام صلاة الجماعة، ولكنّه قبل صلاة الجماعة كان يصلّي النوافل في محراب يبعد تقريبًا عشرين مترًا عن المحراب الأصليّ ويقع على شماله، وهو الآن معروف. كان الإمام يصلّي فيه صلاة الليل ونافلة الصبح، ثمّ يصلّي صلاة الصبح في المحراب الأصليّ، في الليلة التاسعة عشرة من شهر رمضان هوى سيف ابن ملجم على فرقه الشريف وهو في محراب النافلة، حيث كان قد صلّى صلاة الليل في منزل السيّدة زينب * وكان يصلّي نافلة صلاة الصبح فوقع تلك الحادثة.** 
      (*) روضة الواعظين، ج ۱، ص ۱٣٥.
      (**) بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ٢۸۱.
    3. . في نهج البلاغة، ج۱، ص ۱٩: منهم سجود لا يركعون ، وركوع لا ينتصبون وصافون لا يتزايلون ومسبحون لا يسأمون...
    4. . سورة النحل (۱٦) الآية ٥۰؛ سورة التحريم (٦٦) الآية ٦. 
    5. . سورة الأنبياء (٢۱) الآية ٢٦. 
    6. . آيين رستگارى، ص ۱٣٥ (وفي النسخة العربيّة تحت عنوان سبیل الفلاح وهي قید الإعداد): تجليات الله لا تكون إلّا في ظلّ هدوء النفس، {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(*)، إنَّ موجودات العالم تدعو الإنسان إليها، وكلّ موجودٍ يُلقي الإنسان في التمريج والتشويش والاضطراب ويجعل خواطره قلقةً ومضطربةً وحزينةً، وفي بعض الأحيان تتغلّب الخواطر على الإنسان وتجرّه نحوها، والقلب يطمئن فقط بذكر الله، فيُدفن ذلك بأجمعه في مقبرة النسيان، فلا يعود وجودٌ لخاطرةٍ أو فكرةٍ أو خيالٍ، ولا شيء من ذلك أبدًا؛ لأنّ القلب قد اطمئن بذكر الله، وترسّبت قاذورات النفس تلك وتحجّرت، وذلك كلّه بواسطة السكوت، ولذا فإنّ أحد الدساتير هو السكوت.
      الآن: كم ينبغي للإنسان أن يسكت؟ يختلف الأمر؛ يختلف الأمر في المنازل والمراحل المختلفة، ففي البداية يقولون للسالك: ينبغي أن تلتزم السكوت عن زوائد الكلام، وليس فقط عن الغيبة والكذب وأمثال ذلك، بل ينبغي أن يبتعد الإنسان حتّى عن الكلام العادي الذي يتكلّم به الإنسان عادةً ولكن لا يكون له فائدةٌ دنيويّةٌ ولا أخرويّةٌ، إذ على الإنسان أن يضع قفلًا على فمه وأن لا يتحدّث بكلامٍ زائدٍ.
      فرضًا، لو شاركَ الإنسان في مجلسٍ ما، وتحدّث لمدّة ساعةٍ وتسلَّى ثمَّ وقف وتساءل: بماذا تفوّهتَ؟ ماذا كان هذا الكلام وما هي نتيجته؟ وهل كانت له نتيجة دنيويّة؟ هل كانت له نتيجةٌ أخرويّةٌ؟ هل رفع روحي إلى الأعلى؟ هل منحني صفاءً؟ هل كان فيه صلاحي؟ لا! الجلسات (القعدات)، المسامرات الليليّة، المحادثات النهاريّة والاختلاط وتمضية الوقت! مثلاً: يقولون: لقد تعبنا، لذا دعنا نذهب إلى ذاك المكان لتمضية الوقت، إنَّ هذه الأحاديث تُسبّب ظلمةً وسوادًا في القلب، وتجلب القسوة، وليس من اللازم أن تكون تلك الجُمَل محرّمةً، بل على الإنسان أن يتجنب الكلام في بعض الأمور المباحة أيضًا الذي لا طائل ولا فائدة منه، وينبغي أن يكون المفتاح بيد نفس الإنسان، وعلى الإنسان أن يفكر أوّلًا بما يُريد أن يتكلّم به ثمّ يقوله، لا أنّه يتكلّم أوّلًا ثمَّ يُفكّر هل هذا الكلام الذي تفوهتُ به صحيحٌ أم خاطئٌ؟... ينبغي للسالك أن يجعل ضبط لسانه بيده مئةً بالمئة، وعليه أن يُفكّر في كلّ كلمةٍ يُريد أن يتفوّه بها، وأن يرى هل هذا الكلام صحيحٌ من الأساس أم خاطئٌ؟ وما الفائدة المترتّبة عليه؟ وضبط اللسان هذا يشمل الكلام والمسموعات أيضًا؛ لأنّ ما يسمعه الإنسان يجلب تمريج القلب أيضًا. فلا ينبغي للإنسان أن يستمع كل شيءٍ، بل يكتفي بالأمور المفيدة له...
      إنّ الأنس بالعيال والجلوس معهم والاختلاط هو أمرٌ لازم ولا يُعدّ من الكلام الزائد، إلّا إذا كان يُضرّ بالتحكّم باللسان...
      فإذن وبصورةٍ مجملةٍ وكليّةٍ، الصمت يعني: السكوت. وفي المرحلة الفعليّة فلتتكلّم بمقدار ما يلزم من قراءة القرآن، والزيارة، والدعاء، والصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأنس بالعائلة، وفي نطاق العمل الجراحي(**)، ولا تتكلّم بأكثر من ذلك... ولا تناقش الناس كثيرًا، ولا تُطلعهم على أسرارك، ولا تُبد لهم أحوالك، فلتُبقِها بداخلك، ولا تبدِ إلّا المقدار اللازم، وكفى! ليكن هناك قفلٌ على الفم، ولا تتجاوز ولا تفسح المجال لبيان ذلك المقدار الذي يبديه اللسان عن قلبك ونيتك، والقيام بهذا العمل ـ وهو ضبطُ اللسان ـ مهمّةٌ صعبةٌ أيضًا.
      لقد وَرَدَ عن أحوال بعض السالكين القدماء أنّهم كانوا يضعون حصاةً في أفواههم، وكلّما أرادوا بيان أمرٍ عن غفلةٍ، فإنّهم لا يبيّنوه، فربّما أرادوا أن يُبينوه ولكن هناك حصاة في فمهم فيلتفتون: هل ما يريدون قولَهُ صحيحٌ أم لا؟ فإذا كان جيّدًا، يُخرجون الحصاةَ ويتكلّمون ثمّ يعيدونها إلى مكانها؛ إلى هذا القدر! إنّها مهمّةٌ صعبةٌ؛ لأنّ الإنسان قد اعتاد الكلام على الدوام، ولا بدّ أن يضبط نفسه وأن يقوم بالمجاهدة كي يَعبُر عن مسألة الصمت.
      (*) سورة الرعد (۱٣) الآية ٢۸.
      (**) مراد سماحته: إنّه لا بأس من التكلّم الضروري في مجال عمل الإنسان، وأعطى لجليسه المخاطب بهذه المحاضرات مثالًا من واقع عمله كونه طبيبًا جرّاحًا. (م)
/ 380