
ضرورة الذكر ومشروعيّته
ما أهمية الذكر وضرورته في السير والسلوك ؟ وهل الذكر أمر مشروع؟ وما قيمة كلام الذين ينكرون لزوم الذكر والمراقبة؟ أسئلة تجيب عنها هذه المقالة الثالثة من سلسلة مقالاتٍ حول الذكر والورد في السير والسلوك. وجدير بالذكر أن هذه المقالات قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه
ضرورة الذكر ومشروعيّته
15ثُمّ تَلا هذهِ الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً* وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا﴾۱، فقالَ:
لم يجعَلِ اللهُ لَهُ حَدًّا ينتَهي إليه٢.
وفي تتمّة هذه الرواية يروي ابن قدّاح عن الإمام الصادق عليه السلام:
وكانَ أبي عليهِ السّلامُ كثيرَ الذِّكرِ. لَقَد كُنتُ أمشى مَعَه وإنّهُ لَيَذكُرُ اللَهَ، وآكُلُ مَعَهُ الطّعامَ وإنّهُ لَيَذكُرُ اللَهَ، ولَقَد كانَ يحَدِّثُ القومَ وما يشغَلُهُ ذلكَ عَن ذِكرِ اللَهِ. و كُنتُ أرى لِسانَهُ لازِقًا بِحَنَكِه يقولُ: «لا إلهَ إلّا اللَهُ.» و كانَ يجمَعُنا فَيَأمُرُنا بِالذِّكرِ حتّى تَطلُعَ الشَّمسُ؛ ويأمُرُ بِالقَراءةِ مَن كانَ يقرَأ مِنّا؛ ومَن كان لا يَقرَأ مِنّا أمَرَهُ بالذِّكرِ. والبَيتُ الّذي يقرَأ فيهِ القرآنُ ويذكَرُ اللَهُ عزّ وجلّ فيهِ، تَكثُرُ بَرَكَتُه وتَحضُرُهُ المَلائكةُ وتَهجُرُهُ الشّياطينُ ويضىءُ لِأهلِ السّماءِ كما يضىءُ الكَوكبُ الدُّرّيُّ لِأهلِ الأرضِ و البَيتُ الّذى لايُقرَأ فِيهِ القرآنُ ولا يذكَرُ اللَهُ فيهِ تَقِلُّ بَرَكَتُهُ وتَهجُرُهُ الملائكةُ وتَحضُرُهُ الشّياطينُ.»٣
لا شکّ أنّكم إذا دخلتم منزلاً لا يذكر الله فيه تصابون بكدورة في القلب، ولو وضعتم في غرفتكم بدلاً من لوحة فيها ذكر، لوحةً فيها صورة غير لائقة، فإنّ حالكم سينقلب. ولو تلي القرآن عشر دقائق في غرفة ما ثمّ عزفت فيه الموسيقى فإنّ حالكم سيكون مختلفًا في كلّ من الصورتين. ولو دخل أحد الأعاظم إلى غرفة ثمّ دخل إنسان مكدّر، فإنّ حالكم سيختلف. ولو دخلتم إلى حرم السيّدة المعصومة عليها السلام، فإنّ ذلك الفضاء والجوّ سيؤثّر عليكم، وهذه التغييرات هي حقائق تکوینيّة لا يمكن محاربتها ومواجهتها.
يقول الإمام الصادق عليه السلام في تتمّة الرواية:
وقَد قالَ رسولُ اللَهِ صلَّى اللَهُ عليهِ و آلِهِ وسلَّمَ: «أ لا أُخبِرُكُم بِخَيرِ أعمالِكُم لكم، أرفَعِها في دَرجاتِكم وأزكاها عندَ مَليكِكُم، وخَيرٍ لَكم مِن الدّينارِ و الدِّرهَمِ، وخَيرٍ لَكم مِن أن تَلقَوا عَدُوَّكُم فَتَقتُلوهُم ويقتُلوكُم؟» فقالوا: «بلى.» قالَ: «ذِكرُ اللهِ عَزَّ و جلّ كثيرًا.»٤
وفي الختام يقول الإمام الصادق عليه السلام:
جاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبيّ صلَّى اللَهُ عليهِ وآلِهِ، فقالَ: «مَن خَيرُ أهلِ المَسجدِ؟» فقالَ: «أكثرُهُم لِلهِ ذِكرًا.» وقالَ رسولُ اللَهِ صلَّى اللَهُ عليهِ وآلِهِ وسلّمَ: «مَن أُعطِيَ لِسانًا ذاكِرًا فَقد أُعطِيَ خَيرَ الدّنيا والآخِرةِ.» و قالَ فى قولِهِ تعالى: ﴿وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾٥
- . سورة الأحزاب (٣٣) الآية ٤۱ و ٤٢.
- . الكافي، ج ٢، ص ٤٩۸.
- . المصدر السابق، ص ٤٩٩.
- . الكافي، ج ٢، ص ٤٩٩.
- . سورة المدثّر (۷٤) الآية ٦.
