
ضرورة الذكر ومشروعيّته
ما أهمية الذكر وضرورته في السير والسلوك ؟ وهل الذكر أمر مشروع؟ وما قيمة كلام الذين ينكرون لزوم الذكر والمراقبة؟ أسئلة تجيب عنها هذه المقالة الثالثة من سلسلة مقالاتٍ حول الذكر والورد في السير والسلوك. وجدير بالذكر أن هذه المقالات قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه
ضرورة الذكر ومشروعيّته
7إنّ الكوب الذي في يدي هو جسم صلب في تعارض دائم مع الجسم الناعم، فلو أنّ أحدًا ضربه بيدي بشدّة، فإنّها ستتألّم، وربّما تهشّم عظمها أو كسر، وهذا لازم لاصطدام جسم صلب بجسم غير قابل للانعطاف. فعندما تنتقل الطاقة من جسم إلى آخر، فإن استطاع ذلك الجسم فإنّه يواجه ويقاوم، وإن لم يستطع فإنّه يحتفظ بها في نفسه فتؤدّي إلى تلاشيه. فعندما يرمى حجر في الماء، فإنّه يغوص فيه بسبب ثقل وزنه، كلّ هذه الأمور هي على أساس قواعد الفيزياء ودليلها معها.
وفي هذا النظام أيضًا فإنّ نفس الإنسان هي ذات حالة هيولانيّة ولها استعداد۱ وتحتاج إلى عمل لتصل إلى الفعليّة والظهور والبروز. فمثلاً لو أنّ إنسانًا أراد أن يكون خطّاطًا فلا بدّ أن يتمرّن، ولو أنّ إنسانًا أراد أن يكون سائق سيّارة ماهرًا، فلا بدّ في الساعات الأولى أن يداوم على تمرين تغيير مبدّل المحرّك في السيّارة وأمثال ذلك، حتّى إذا ما ابتلي فجأة بحالة انعدام التوازن والانزلاق يمكنه أن يقوم بما ينبغي على أفضل ما يرام. فالسائق الماهر لا بدّ أن يكون قد تمرّن على هذه الطرق، وإلا فحتّى لو علّمت له في النوم والمكاشفة فما لم يفتح بيده باب السيّارة ويجلس خلف المقود ويسر في الطرق الجبليّة والترابيّة والمتجمّدة، فلن يتمكّن من السيطرة على السيّارة.
ودراسة الطبيب في الجامعة لا فائدة منها بدون أن يقف عند المريض ويعاينه سريريًّا، وأن يطبّق بكتابة الوصفة ما درسه، وأن يرى ردّة فعل الدواء ونتيجته، فقط في هذه الصورة ينتقل الطبيب بعد مدّة من الممارسة من مرحلة الاستعداد ضمن الدراسة إلى مرحلة الفعليّة. وهذا الأمر من لوازم طبع البشر.
فكما أنّ النفس البشريّة تحتاج إلى ممارسة في الأمور الظاهريّة، فهي تحتاج إلى أضعاف ذلك في المسائل السلوکيّة ٢وواضح وبيّن أنّه يكفي أن تُترك النفس وحالها يومًا واحدًا بل ساعة واحدة بل لحظة واحدة لكي يصدر عنها عمل ما على أساس الهوى، فتتراجعون فجأة مقدار سنة، ولذلك ورد في الروايات تأكيد شديد على المراقبة والالتفات بحيث أنّ الإنسان لو واظب أربعين يومًا عليها فكم سينال من النتائج!
- لقد أودعت في وجود كلّ واحد منّا بما يتناسب مع المواقع المختلفة صفات وذخائر، والآثار التي تنتج وتظهر عنّا هي نتيجة تلك الصفات والذخائر الموجودة فينا، وهذا أمر بديهيّ. فالإنسان الذي يتمتّع بقوّة من التدبير لا بأس بها لا بدّ أن يكون مسؤولاً لمؤسّسة، لا من هو أدنى منه، ولو استبدلنا مكان كلّ واحد بمكان الآخر لظهر الفساد، لأنّ العمل الخارجيّ معلول للصفات النفسيّة، وحسب قوّة وضعف تلك الصفات فإنّ العمل الخارجيّ أيضًا سيكون مختلفًا. إنّ إمام الجماعة في مسجد قرية يكفيه أن يعرف مقدارًا من مسائل الحلال والحرام وأحكام الزكاة، أمّا مجرّد الاطّلاع على المسائل ذات الصلة بالأبقار والأغنام فلا يكفي لإمام جماعة في مسجد مصلّوه من أصحاب المستوى العالي من الثقافة، وعندما يكون كلّ واحد من هذين الرجلين مكان الآخر فإنّ عمر أحدهما سيضيع هباءً، وأمّا الآخر فسيؤدّي إلى الإفساد. (مقطع من عنوان البصري ۱٦)
- . لمزيد من الاطلاع حول ضرورة مجاهدة النفس راجع: معرفة الله ج۱ ص ٣٢٢.
