
ضرورة الذكر ومشروعيّته
ما أهمية الذكر وضرورته في السير والسلوك ؟ وهل الذكر أمر مشروع؟ وما قيمة كلام الذين ينكرون لزوم الذكر والمراقبة؟ أسئلة تجيب عنها هذه المقالة الثالثة من سلسلة مقالاتٍ حول الذكر والورد في السير والسلوك. وجدير بالذكر أن هذه المقالات قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه
ضرورة الذكر ومشروعيّته
5النتيجة: ضرورة الذكر والعبادة لتلطيف النفس وتحصيل الكمال والرجوع إلى الله
أجل، إنّ السالك الذي ابتعد في مقام الإثبات۱ عن حضرة الحقّ تعالى، ونأى عن حقيقته المجرّدة وصفائه الأول الخالص، لا بدّ لكي يبلغ المدارج العالية أن يقوم بأعمال تمنع من التوغّل في الدنيا، عليه لكي يصل إلى تلك الحقائق المجرّدة ولكي يوصل استعداداته وقواه النفسيّة الكامنة، أن يشتغل بالعبادات والمسائل المعنويّة، وأن يبتعد عن المعاصي ومشاغل العوامّ، فلا طريق سوى ذلك.
فلو اشتغل الإنسان أربعين يومًا بالذكر والعبادة والمراقبة فإنّه يفسد كافّة آثار هذه الأربعين ويذهب بها بتهمة واحدة لرفيقه وبغيبة لمؤمن، فهذا هو الطريق والمسير. لا انسجام بين هذين الأمرين؛ لأنّ الله تعالى جعل قانون الوصول إليه منافيًا لارتكاب المحرّمات والأمور المانعة، وهو لا يتجاوز هذا القانون.
إنّ من الأمور الضروريّة للوصول إلى مقام الكمال واستجماع الظهورات المختلفة للصفات والأسماء الجماليّة والجلاليّة للحقّ، الاشتغال بالأوراد والأذكار التي تؤدّي إلى تلطيف النفس وتجرّدها وبالنتيجة إلى انكشاف حقائق من أسماء الحقّ وصفاته، ولا مفرّ عن ذلك ولا مهرب.٢
ولذلك فإنّ الأعاظم يرون الاشتغال بالأوراد والأذكار من أهمّ مسائل السیر والسلوک لأجل تکامل السالک وترقّيه. وما يقوله المرحوم القاضي للعلامة الطباطبائي رضوان الله عليهما من أنّك: «يا بني! إن كنت تريد الدنيا فعليك بصلاة الليل؛ و إن كنت تريد الآخرة فعليك بصلاة الليل!»٣ فهو لأنّ الوصول إلى الكمال غير ممكن بغير عمل. ومن قول المرحوم القاضي: وَ العجبُ ممَّنْ يَرومُ مرْتبةً مِنَ الكَمالِ وَ هُوَ لا يَقُومُ الليال!٤ يُعلم أنّ صلاة الليل لها تأثير جازم في ذلك.
فمن أراد أن يخطو في هذا الطريق فليتفضّل بسم الله! فأهل البصيرة والذين طووا هذا الطريق ويبيّنون الحقائق عن مشاهدة يقولون: على السالك أن يصلّي صلاة الليل ويشتغل بالأدعية ويبتعد عن المحرّمات ويأتي بالواجبات والمستحبّات، وإلا فإنّ النفس لا يمكن أن تصل إلى الفعليّة ويمكن أن تبقى مائة سنة في الطريق بغير فائدة.
كس ندانست كه منزلگه معشوق كجاست *** آنقدَر هست كه بانگ جرسى مىآيد٥ - مقام الإثبات في مقابل مقام الثبوت، والأول يعني العلم والالتفات والثاني يعني الواقع، فمثلاً في مقام الثبوت هناك رجلان في الدار، وفي مقام الإثبات نريد أن نبرهن ونعلم الجاهل بذلك أنّهما موجودان، فنقول له ألا تسمع صوتهما لنثبت له أنّهما موجودان في الداخل. وفي موضوع التوحيد ليس هناك ـ حسب مقام الثبوت ـ إلا حقيقة واحدة وهي الله تعالى، ولكن الإنسان في مقام الإثبات يغفل عنها ويغرق في اعتبارات الدنيا.(م)
- مقطع من عنوان البصري ۱٤.
- الشمس الساطعة، ص ٢٤.
- وصايا وتعاليم، ص ۱٣۷.
- . ديوان حافظ، غزل ٢٢٩.
