
ضرورة الذكر ومشروعيّته
ما أهمية الذكر وضرورته في السير والسلوك ؟ وهل الذكر أمر مشروع؟ وما قيمة كلام الذين ينكرون لزوم الذكر والمراقبة؟ أسئلة تجيب عنها هذه المقالة الثالثة من سلسلة مقالاتٍ حول الذكر والورد في السير والسلوك. وجدير بالذكر أن هذه المقالات قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه
ضرورة الذكر ومشروعيّته
3أعوذُ باللهِ منَ الشّيطانِ الرّجيم
بسمِ الله الرّحمنِ الرّحيم
الحمدُ لِلّه ربِّ العالمينَ و الصّلاةُ و السّلامُ على أشرفِ المرسلينَ
وخاتمِ النّبيّينَ أبي القاسمِ محمّدٍ و على آلِهِ الطّيّبينَ الطّاهرينَ
واللعنةُ على أعدائِهم أجمعين
أولاً: ضرورة الذكر
والأمر الذي لا بدّ من الالتفات إليه هنا أن ما هو أثر الذكر في السلوك والتكامل المعنويّ والتربويّ لنفس السالك وتبعًا لذلك ما قيمة كلام الذين ينكرون لزوم الذكر والمراقبة مع قولهم بطيّ المدارج والمراتب؟
البيان الأوّل لضرورة الذكر: الذكر غذاء الروح
المقدّمة الأولى: تركّب الإنسان من مادّة وروح وخضوعه لقوانينهما
لا شكّ أنّ الإنسان موجود مركّب من المادّة والروح، وبعبارة أصحّ: له نفس ناطقة ذات قالب مادّي، وما يشكّل حقيقته ليس هذا البدن. وهو في علاقته مع قوانين التكوين والنظام الأحسن للكون ليس منفصلاً عن سائر الموجودات.
المقدّمة الثانية: حاجة كلّ من المادّة والروح إلى الغذاء
فالمادّيات في هذا العالم تحتاج لاستمرار الحياة والتكامل والنموّ إلى التغذية، لأنّ النظام الحاكم على هذا العالم يقتضي مثلاً إذا كان هناك شجرة تنمو وتتكامل في الدنيا فإنّها تحتاج إلى ضوء وماء وأوكسيجين وتراب وموادّ غذائيّة، ولو انعدمت هذه الأمور ليبست الشجرة وماتت وتحوّلت إلى تراب. ورغم أنّ كافّة الحيوانات والنباتات وفق الخصوصيّة والطبيعة التي لها تختلف فيما بينها في كيفيّة دخول هذه الموادّ وخروجها،۱ لكنّها لو منعت من الماء مدّة لماتت جميعًا. والإنسان أيضًا ليس بمستثنى من هذه القاعدة، وهو بحاجة في حياته الظاهريّة إلى موادّ أيضًا تؤمّن حياته في هذه الدنيا، ولو تغيّرت كلّ واحدة من قواعد التغذية عند الإنسان لشوهدت فيه الأمراض وسائر العوارض.٢
فكما أنّ الإنسان يحتاج إلى التغذية المادّية لجسمه، فإنّه يحتاج إلى تغذية للروح أيضًا لكي يحصل الترقّي والتكامل. والإنسان العاطل عن العمل لا يمكن أبدًا أن يتكامل روحيًّا، لا يمكن لمن قضى عمره كلّه في الرياضة البدنيّة وأمثالها أن يغدو عالمًا ومكتشفًا.
إنّ الروح والنفس الإنسانيّة تحتاج إلى الغذاء والممارسة لكي تصل إلى مرتبة الكمال سواء بالنسبة إلى العلوم الظاهريّة أو العلوم الباطنيّة، ولو ظهرت له موانع في هذا المجال فإنّه سيكون فاشلاً في وصوله إلى ذلك الهدف.
- من باب المثال فإنّ بعض النباتات التي تعيش في المناطق الحارّة كالكمّون تحتاج إلى ماء أقلّ وتحتفظ به في داخلها، وبعضها الآخر كشجرة الدلب والصفصاف والتي تقوم بتصفية الهواء بواسطة تبديل الماء إلى أوكسيجين، تحتاج إلى مزيد من الماء والموادّ، ولو لم يصل إليها الماء تتيبّس بسرعة ولا تتمكّن من الاستمرار في حياتها.
- كانوا يعبّرون عن هذه المسألة في الطبّ القديم بالأخلاط الأربعة، وهي موجودة في الطبّ المعاصر ببيان آخر. فلو أنّ الدهن أو أسيد واريك ارتفع لمرض الإنسان بمرض معيّن من الأمراض، ولو هبط لابتلي بنوع آخر، ولا بدّ أن يتناول الدواء لكي يتماثل للشفاء، فتحصل السلامة بتعديل المزاج.
