
تأثير الذكر وكيفيّة هذا التأثير
ما تأثير الذكر؟ وكيف يؤدّي إلى تغيّر القلب وسرّ الإنسان وتحوّلهما؟ وما الهدف والغاية منه؟ أسئلة تجيب عنها هذه المقالة الثانية من سلسلة مقالاتٍ حول الذكر والورد في السير والسلوك. وجدير بالذكر أن هذه المقالات قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه
تأثير الذكر وكيفيّة هذا التأثير
6نحن نخطّط من الآن لمعاملة ربّما تحصل بعد شهرين، فنقول: علينا أن نقوم بهذا العمل وبتلك المقدّمة ونرى فلانًا وفلانًا، ولكن هل فكّرنا يومًا بتلك المعاملة التي لنا مع الله والتي وُظّفنا بها بوظيفة في مقابل اليومين اللذين أعطيناهما من العمر؟!
وهنا ندرك حقيقة وعمق كلام أمير المؤمنين عليه السلام حين يقول:
"ولَألفَيتُم دُنياكُم۱ هذهِ أزهَدَ عِندي مِن عَفطَةِ عَنزٍ."٢
أجل هذا كلام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام الذي كان كلّ قلبه موضعًا لله، وكان ارتباطه بالله قد بلغ مرحلة الكمال، وكان سرّه قد اتّحد بالله! ولو مضت علينا مائة سنة أيضًا فلا شكّ أنّنا لن نصل من حيث المعرفة إلى غبار أقدام أمير المؤمنين عليه السلام ولا بدّ أن نجعل غبار نعله كحلاً لعيوننا، ولكن والله لو أعطينا مثقال ذرّة من معرفة أمير المؤمنين عليه السلام لقلنا نحن أيضًا هذا الكلام ولنظرنا إلى الدنيا هذه النظرة!
النتيجة: السبب في كون ذكر اللهِ علاجًا للاهتمام بالدنيا وعلّة لصفاء القلب هو كون الله تعالى ثابتًا
إنّ القلب الذي هو مكان لتجلّي الرحمن قد لوّثناه بزعامات الدنيا والتجمّل والتخيّل والأمر والنهي، والافتراء على هذا وذاك، وعدم الاجتناب عن الأعمال التي تخطر في بالنا، كما دسنا هذا القلب بأرجلنا. إنّ العاقل هو من يدرك هذه المسائل حقّ الإدراك ويرتّب عليها أثرًا، ويكون مشغولاً بالتفكير بشقائه ومسکنته.
والآن ولكي نترك التوجّه إلى الدنيا، ولكي ترجع القلوب إلى صفائها السابق ذاك، نحتاج أن نضاعف من التوجّه إلى المبدأ في أنفسنا. وبعبارة أخرى، إنّ دواء التوجّه إلى الدنيا هو ذكر الثابتات، وليس هناك ثبات واستقرار وإتقان أكثر من ثبات حضرة الحقّ، حتّى النبيّ الأكرم والأئمّة عليهم السلام الذين هم وسيلة حركتنا نحو حضرة الحقّ، وهذا ما يجب ألاّ يغيب عن بالنا أبدًا.
بناء على ذلك فإنّ مراد أمير المؤمنين عليه السلام من قوله "إنّ الله تعالى جعل الذكر جلاء للقلوب" هو أنّه كلّما أوجد التوجّه إلى الدنيا صدأ في قلب المؤمن، فإنّ ذكر الله والتوجّه إلى المبدأ الذي هو ضدّ الدنيا يجلو هذا الصدأ، وتلك هي فائدة الذكر التي أكّد عليها في الروايات كثيرًا.٣
- في المحاضرة رقم ۱۰ من شرح حديث عنوان البصري كلام حول الدنيا والذكر يناسب أن ينقل هنا: الذكر هو التوجّه إلى الحقّ والدنيا هي الانصراف عن الحقّ
فمقصود أمير المؤمنين عليه السلام حين قال: "وإنّ للذكر لأهلاً أخذوه من الدنيا بدلاً." هو أنّ في عالم المادّة هذا جماعة استبدلوا ذلك البعد الظاهر بذكر الله وذلك البعدِ الباطن، فأهل الذكر يستفيدون من ذلك الخبز والأرزّ اللذين يأكل منهما أهل الدنيا، ولكنّ أهل الدنيا يأكلونهما لأجل الشهوة والترفّع والمفاخرة، أمّا أهل الذكر والآخرة فإنّهم يستفيدون منهما بغرض سدّ الجوع وتقوية البنية في سبيل العبوديّة والتقرّب إلى الله.
وبالالتفات إلى هذه النكتة فإنّ الدنيا تصبح ذات مفهوم أوسع ممّا نتصوّره، فحسب هذا التعريف فإنّ الدنيا عبارة عن: "انصراف الإنسان عن الحقّ بغير حقّ؛ الانصراف عن عالم التوحيد إلى عالم الكثرة." وهذا الانصراف ليس منحصرًا بعالم المادّة، بل يمكن أن يكون في العوالم الأخرى. فربّما يكون الإنسان في مرتبة عالم البرزخ والمثال وتصرفه الصور المثاليّة والجماليّة عن التوجّه إلى ذات الحقّ؛ فهذا دنيا أيضًا، ولا فرق بينه وبين مظاهر عالم المادّة.
يمكن للتوجّه إلى الصور الجماليّة للحور العين والمناظر العجيبة واللطيفة في تلك العوالم أن تلهي قلب الإنسان بالنظر إلى تلك الصور، وتمنعه من طريقه وهدفه والوصول إلى الحقّ. بناء على ذلك فإنّ الدنيا ليست هي هذه الكرة الأرضيّة والنعم الموجودة فيها، بل كلّ ما يؤدّي إلى صرف الإنسان عن التوحيد هو دنيا، وإن كان جبرائیل الأمين والقوى العقليّة المجرّدة، وذلك لأنّ الحقّ وتلك العلّة الموجدة التي خلَقَتها كائنة خلفها. - معرفة المعاد، الجزء ٤، ص٦٩ نقلًا عن «نهج البلاغة» الخطبة ٣، ج ۱، ص ٣۷ من طبعة محمّد عبده- مصر.
- شرح حديث عنوان البصري ـ الجلسة رقم ٩.
- في المحاضرة رقم ۱۰ من شرح حديث عنوان البصري كلام حول الدنيا والذكر يناسب أن ينقل هنا: الذكر هو التوجّه إلى الحقّ والدنيا هي الانصراف عن الحقّ
