
تأثير الذكر وكيفيّة هذا التأثير
ما تأثير الذكر؟ وكيف يؤدّي إلى تغيّر القلب وسرّ الإنسان وتحوّلهما؟ وما الهدف والغاية منه؟ أسئلة تجيب عنها هذه المقالة الثانية من سلسلة مقالاتٍ حول الذكر والورد في السير والسلوك. وجدير بالذكر أن هذه المقالات قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه
تأثير الذكر وكيفيّة هذا التأثير
5هذا هو الذكر، وهذا معنى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾۱ و ٢
أمّا أنّ الذكر كيف يؤثّر فهذا ما سنتحدّث عنه٣ [في النقطة التالية:]
كيفيّة تأثير الذكر
يقول أمير المؤمنين عند تلاوة الآية الشريفة ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾٤: إنّ الله سبحانه جعل الذكر جلاء للقلوب.٥
وتوضيح سبب كون الذكر جلاء للقلوب متوقّف على مقدّمات:
المقدّمة الأولى: حقيقة القلب وقدرته على قبول تجليّات الذات
إنّ القلب هو تلك الحقيقة المنطوية في وجود الإنسان، وهو دائمًا مرتبط بمبدئه وبالحقّ تعالى. وقد شوّشنا ولوثّنا وكدّرنا نحن هذه الحقيقة الشفّافة النورانيّة التي هي محلّ نزول فيض الله، وذلك بواسطة أمور لا تناسبها أبدًا. فالله تعالى يقول: إنّ قلب المؤمن هو المكان الوحيد للتجليّات الذاتيّة الإلهيّة: لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن٦. وقد مزجنا هذا القلب الذي هو مكان الله بالنفس والرغبات النفسيّة.
ينبغي ألاّ نقارن سعة قلب المؤمن بسعة الكرة الأرضيّة والقمر وزحل والمشتري والمجرّات؛ وذلك لأنّ الأرض الواسعة هي من هذا التراب الذي نأخذ قبضة منه، وأصل جميع الكرات والكواكب والمجرّات هو من المادّة، وعالم المادّة والطبع هو أدنى مرتبة من المراتب الوجوديّة لحضرة الحقّ المتعال. والأكثر من هذا أنّ المراد بالسماء في عبارة لا يسعني أرضي ولا سمائي ليس مجرّد السماء الدنيا، بل يشمل أيضًا سماوات الغيب.
وبناء على ذلك فإنّ معنى الحديث هو أنّ سمائي بكافّة مراتبها وخصوصيّاتها لا يتّسع شيء منها لتجليّاتي؛ فسواء عالم المادّة أو عالم الملكوت والجبروت واللاهوت كلّها لا تتّسع، ولكنّ قلب عبدي المؤمن لديه قابليّة تلقّي تجليّاتي الذاتيّة.
ولكن ماذا نصنع نحن بهذا القلب الذي هو محلّ الله؟ إنّ تعلّقنا بالرئاسة والموقع والمقام والتعلّق بدراهم الدنيا ودنانيرها، والعلاقات مع الناس، أدّت أن يخرج الله من قلوبنا بشكل كامل.
المقدّمة الثانية: المحاسبة والحفاظ على القلب
روي أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أفّ لرجل لا يفرّغ نفسه في كلّ جمعة لأمر دينه فيتعاهده ويسأل عن دينه.۷ والمراد من أفّ لرجل هو أنّي لا أريد أصلاً أن أرى إنسانًا كهذا، وهو ليس إنسانًا. على الإنسان أن يجلس على الأقلّ ساعة من يوم الجمعة أو من الأيّام الأخرى ويتفرّع لنفسه، لا أن يجعل فكره يجول هنا وهناك بحيث لا يجد مجالاً للتفكّر في نفسه! إن كان هذا الأسبوع قد مضى فإنّ الأسبوع الآخر سيمضي، وكذلك الأسابيع الأخرى، ففي النهاية متى تريد أن تفكّر في نفسك وأن تمرّ في خاطرك الحقائق والواقعيّات التي تأخذ بتلابيبك؟
- سورة الرعد، الآية ٢۸.
- تجدر الإشارة إلى أنّ الحديث هنا هو عن الأثر بالنسبة إلى المبتدئ وأمّا بالنسبة إلى الواصل فهو حدوث التجليّات؛ ولذلك ذكر سماحته في عنوان ٩: الذكر في البداية يؤدّي إلى رفع الصدأ من القلب، وفي العوالم الأخرى يؤدّي إلى التجليّات.
- شرح حديث عنوان البصري ـ الجلسة رقم ۸.
- سورة النور، الآية ٢۸.
- معرفة المعاد، الجزء ٢، ص٥٦ نقلًا عن «شرح نهج البلاغة»، طبعة محمد عبده مصر، المجلّد الأوّل ص ٤٤٦- ٤٤۸؛ و «شرح النهج» للملّا فتح الله الكاشيّ، ص ٣٦۱- ٣٦٣، الخطبة ٢٥۰.
- معرفة المعاد، الجزء ٢، ص٢۰٩ وقال رضوان الله عليه في الهامش: و قد وردت في رسالة «مرصاد العباد»، طبع (بنگاه ترجمه و نشر كتاب)، الصفحات ٢۰۸ و ٢۷٤ و ٦۱٣ بهذه العبارة: لا يسعني أرضي و لا سمائي و إنما يسعني قلب عبدي المؤمن.
- معرفة المعاد، الجزء ٣، ص٤۰ نقلًا عن «المحاسن» للبرقيّ، كتاب «مصابيح الظلم» ص ٢٢٥؛ و «بحار الأنوار» ج ۱، الطبعة الكمباني، باب طلب العلم، ص ٥۷.
