
حقيقة الذكر والورد
وهي المقالة الأولى من سلسلة مقالات حول الذكر والورد في السير والسلوك. تتحدث هذه المقالة عن معنى الذكر و الذكر في اللغة و الاصطلاح، كما تبين أربعة معاني للانشغال بالذكر. وجدير بالذكر أن هذه المقالات قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه
حقيقة الذكر والورد
11حقيقة الذكر في بعض مراتبه امتلاك الرؤية التوحيديّة
معنى الذكر وعدم الانشغال عنه بالدنيا في حديث إنّ للذكر لأهلاً أخذوه من الدنيا بدلاً
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال في خطبة له حول الآية الشريفة: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾۱: وإنَّ لِلذِّكرِ لَأهلًا أخذوهُ مِنَ الدّنيا بَدَلًا، فَلَم تَشغَلهُم تِجارَةٌ و لا بَيعٌ عَنهُ.٢ ويمكن أن نتصوّر تباعًا كيف يمكن للإنسان أن ينشغل بالذكر بدلاً من الدنيا ضمن عدّة معان:
المعنى الأول: الاعتزال والرهبانيّة والتفرّغ للذكر
فالمعنى الأول هو أنّ المراد من الدنيا هو الاشتغال بالكسب والتجارة والانشغال بالمسائل الدنيويّة والماديّة؛ بمعنى أنّ أهل الذكر هم جماعة كالرهبان الذين هم في الأديرة والكنائس، همّهم الذكر، وليس لهم أيّ اهتمام بالمسائل الدنيويّة، فهذه الجماعة بدلاً من أن تمضي نحو الاكتساب تجلس في المنزل وتذكر الله، وبدلاً من أن تتزوّج تشتغل دائمًا بالعبادة متّخذة مسلك الرهبانية.
محاكمة المعنى الأول: منافٍ لشموليّة الإسلام
وهذا الطريق ليس ممدوحًا في الإسلام، لأنّه يتنافى مع شموليّة الإسلام٣، فالإسلام دين متكفّل بالسعادة الدنيويّة والأخرويّة للناس، وكون هذه المرتبة من الذكر ممدوحة سيتعارض مع الهدف الغائي للإسلام.
فالإسلام دين قد اهتمّ بالمسائل العباديّة وبالمسائل السیاسيّة للإنسان، وبعبارة أخرى الإسلام دين الكمال وليس فيه عبادة وسياسة، فنحن أصحاب تلك المقولة: "ديانتنا عين سياستنا، وسياستنا عين ديانتنا." أجل، فلو أردنا أن نفسّر كلام المرحوم المدرّس بأنّ مراده منه أنّ الإسلام دين الكمال وفي هذا الكمال يوجد كلّ شيء، فعندها يمكن أن نجد معنى صحيحًا لهذه الجملة.
كمال الإسلام هو بوجود جميع الظروف التي تبلغ كافّةُ الاستعدادات في ظلها إلى الكمال.
المعنى الثاني: تقسيم الوقت بين العمل والعبادة
المعنى الثاني من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: فلم تشغلهم عنه تجارة ولا بيع عنه. هو أنّ أهل الذكر قد رسموا لأنفسهم محورين:
المحور الأوّل: الاشتغال بشؤون الدنيا.
المحور الثاني: الاشتغال بالمسائل العباديّة.
هذه الجماعة تفتح متاجرها عند الصباح على وضوء وبذكر الله لأجل طلب الرزق الحلال والمعيشة المحلّلة، أمّا عند الظهر والغروب فإنّها تصلّي في أوّل الوقت ثمّ تمضي إلى منازلها، فهذا العمل لا يؤدّي بهم إلى الحرمان من ذكر الله، ويراعي حقّ كلٍّ من هذين الأمرين.
- سورة النور (٢٤)، الآية ٣۷.
- نهج البلاغة (عبده) ج٢، ص ٢۱۱.
- هناك معنى آخر لشموليّة الإسلام ذكره سماحة السيّد في المحاضرة ۱٣ من عنوان البصري: المطروح في الإسلام والذي بعث عليه النبيّ الأكرم هو أن تتضح للإنسان حقيقة التوحيد في كافّة مراحل الحياة بكلّ صورها، لا أنّ هذه الحقيقة هي فقط في صلاة الجماعة مع النبيّ في مسجده، دون أن تكون عند هجوم الكفّار وانتصارهم وبقاء النبيّ وحيدًا.
اعتراضنا على عمر وأبي بكر وأمثالهما هو أنّهم يقولون: "إن كان الحقّ مع الإسلام والنبيّ فلماذا كان النصر في كثير من الموارد للكفّار والهزيمة للنبيّ؟ لماذا يعِدُ النبيّ بفتح مكّة ولكنّه لا يتمكّن من دخولها بل يصالح؟! ينبغي أن لا يكون النبيّ كذلك! نحن نريد نبيًّا يتحرّك كالآليّات المدرّعة تدمّر كلّ شيء أتت عليه في طريقها وتهلكه، ولا تترك شيئًا وراءها، ولا تنتهي قذائفها، فهذا النبيّ هو الجيّد ونحن نرضى به." (لمزيد من الاطلاع على النظرات الخاطئة إلى النبيّ راجع: أسد الغابة، ج٣، ص ۱٥٥؛ أنساب الأشراف ج۱، ص ٣٥۸؛ الإرشاد، ج ۱، ص ۱٥٣.)
