
سناء الأبدية
المباني العرفانية و الاجتماعية للعلامة الطهراني
مقالة مختصرة كتبها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره كبيان مختصر لمباني والده سماحة العلامة الحاج السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني قدس سره في مجال العرفان و السير و السلوك و كذلك في المجال الاجتماعي و السياسي.
سناء الأبدية
6ووفقًا لهذه الرؤية، يصوغ أفراد المجتمع قِيمهم وأصول نظامهم الاجتماعي والسياسي وفروعه اعتمادًا على محوريّة الحقّ والتوحيد، فلا يكونون خاضعين للظروف السياسيّة والاجتماعيّة، ولا يقيسون قيمة أعمالهم وتصرّفاتهم بتلك الظروف والمصالح.
وفي مدرسة التشيّع، يتبلور الفقه- أي التكاليف والأحكام الصادرة من الشرع- في ظلّ معرفة الحقّ تعالى بالشهود والتوحيد العينيّين، وينبغي على المتصدّي لمقام الإفتاء أن يكون واصلًا لهذه المرتبة من التوحيد والمعرفة الإلهيّة، حتّي يتسنّى له إصدار الحكم والفتوي في مجال أفعال المكلّفين والأحكام ذات الصلة بالمجتمع الإسلامي من إرادة وعزم منبثقين من مقام الشهود، والإشراف على الحقائق والقضايا الخارجيّة عن طريق الاتّصال بعالم الملكوت؛ ولهذا، كان المرحوم العلّامة الطهراني يقول: لا يجوز للمرجع إصدار فتوي واحدة عامّة تشمل جميع المكلّفين وتعمّ كافّة القضايا المتشابهة، بل ينبغي عليه أن يُصدر في حقّ كلّ فردٍ حكمًا خاصًّا يُناسبه، وذلك من خلال الاطّلاع على نفسه وخصائصه الوجوديّة وصفاته وشاكلته؛ وما أكثر ما كان إصدار الفتوي الواحدة موجبًا لهلاك أحد الناس وانحرافه!
وسعة الصدر هذه والشعور بالمسؤولية اتجاه جميع العباد والاهتمام بهداية وفلاح جميع الناس -والتي كانت بسبب معرفته التوحيديّة والشهوديّة - جعلته يعتقد بأنّه ينبغي على الرجل الإلهي والعارف باللَه والعالم بأمر اللَه ألاّ يجعل دائرة تبليغه مختصّة بأفراد محدّدين ومنطقةٍ معيّنةٍ، بل عليه أن يفتح باب الهداية والإرشاد والنصيحة أمام جميع أفراد الإنسان دون استثناء، بل حتّي رؤساء الدول والحكومات، وأن يعمل على طبق رسالة النبي والأئمّة المعصومين عليهم السلام في هداية جميع الناس.
وهذه النقطة مهمةٌ جداً وجديرةٌ بالتأمّل، وهي كيف كان الفهم والعقل والفطرة هي الأصل والأساس في المعرفة الإنسانيّة والتكامل الذي يحصل للناس، بل هي أساس الأديان الإلهيّة والتزكية والتربية والسير والسلوك إلى اللَه، حتّى غدا السلوك من دون فهمٍ بمثابة دوران الحيوان حول محور لا يجعله يتغيّر أو يتبدّل، ولا تتدرّج نفسه في مدارج الكمال نحو عالم القدس. وكان دائماً عندما يسأل عن أحوال تلامذته وروحيّاتهم، فكان يقول: كم زاد فهمهم وإدراكهم، أنا لا أسأل عن مناماتهم ومكاشفاتهم وما تظهره أنفسهم!
