
توصيات شهر رجب و ليلة الرغائب
تم انتخاب هذا النص من المحاضرة الحادية و الأربعين من سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري، و يتحدث هذا المقطع عن خصوصيات شهر رجب و أعماله بالإضافة إلى أعمال ليلة الرغائب، و لأهميّة هذا الموضوع فقد قمنا بانتخاب هذا القسم من المحاضرة و عرضه للأخوة المؤمنين
توصيات شهر رجب و ليلة الرغائب
4افرضوا أنّنا قلنا لطفل رضيع: يا سيّد! لقد وقع زلزال في المنطقة الفلانيّة، و قد حصل فيها دمار كبير؛ فإنّه أصلاً لن يفهم و سيجيب: عزيزي، ماذا تقول؟ أنا جائع، أريد حليباً، لأرضع و أنام. فإذا قيل له: يا سيّد الشخص الفلاني صار نائباً، و فلان صار كذا ..، فإنه سيجيب: يا عزيزي، أعطني حليبي لأرضع، فهذه الأمور تخصكم أنتم، بارك الله لكم فيها.
إنّ حاجته للتعلّق بالمبدأ هي فقط المحفوظة و الباقية و كلّ شيء سواها لا شيء بالنسبة له، و هكذا الإنسان الفاني ليس عنده إلّا التعلّق بالمبدأ و لا يوجد شيء في نفسه سوى ذلك. و الفرق بين الرضيع و بين الفاني أن الرضيع عندما يأتي إلى هذا العالم فإنّ الكثرات ستُقبل عليه من كلّ جانب و ستزداد تعلّقاته بها يوماً بعد يوم، أمّا الفاني فعندما يصل إلى مرحلة البقاء بعد الفناء فإنّه سيكون قد تخلّى عن كلّ شيء و لن يبقى عنده أيّ تعلّق بالكثرات. هذا هو الفرق، و نحن يجب علينا أن نرجع إلى هنا، أي إلى ذلك المكان الذي جئنا منه.
معنى الحديث (رجب شهر الله ...)
شهر رجب هو شهر الفناء في الله، هو شهر الله. قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: «رجَبُ شَهرُ اللهِ و شَعبَانُ شَهرِي و رَمَضَانُ شَهرُ أمّتِي»، رجب شهر الله، شعبان شهري و المقصود من ذلك الولاية و رمضان شهر أمتي، شهر عموم أمّتي. أي يتحقّق في شهر رمضان ارتباط خاص بين النفوس و بين الله تعالي بحيث يصدق عليه أنّه شهر الأمّة. لكن رجب هو شهر الله، و أن يكون رجب شهر الله يعني حصول حالة خاصة فيه بحيث لا يستفيد منها إلّا أهل الله، لا غيرهم؛ استفادة الآخرين ضعيفة، أهل الله هم الذين يمكنهم فهم و إدراك هذا الشهر؛ يعني أنّ جذبات المقام الربوبي و التوحيدي و بوارق التوحيد التي يتقلّب فيها السالك فتقطع تعلّقه بحميع الأشياء و توجّه نظره نحو حقيقة التوحيد فقط و تخلّصه من جميع تلك المفرِّقات و الفروع و التشعّبات و التعلّقات و الارتباطات، كلّها تحصل في شهر رجب. و حتّي شهر رمضان لا يقوم بهذا العمل؛ شهر رمضان هو شهر الرحمة، شهر البركة، شهر الانشراح، شهر الغفران، و الله تعالي يغفر فيه كلّ شيء. أمّا ذلك العمل البنيوي و الأساسي فهو لشهر رجب. السالك لا يهمّه غفران الذنوب، فغفران الذنوب هو أوّل شيء نتوقعه من الأئمة و الشفعاء و ذلك بأن يأتوا و يشفعوا لنا. ما ينفع السالك ليست هي حالة الانبساط و ما شابهها، ليست هي حالة البهجة، و هذا لا يعني أنّها أمور سيئة، بل هي جيدة كما أنّها ليست في متناول كلّ أحد، لا تتوهموا ذلك، لكن ما يهمّ السالك الحقيقي الذكي الذي يريد أن يتخلّى عن كل شيء في سبيل الله و أن يغضّ الطرف عن كل شيء و يأتي إلي حرمه أشعثَ أغبر عاري الرأس و حافي القدمين؛ فلا يكون هناك معني لمغفرة الذنوب و الانشراح و البهجة و غيرها، إنّ ما يطلبه هو نار تشعل وجوده و تحيله إلي رماد، هذا هو الأمر الذي يهمّ السالك و هو متحقّق في شهر رجب، و لهذا يسمّي رجب بشهر الله.
