
رسالة سر الفتوح
في الرد على كتاب عروج الروح
لقد أشار المرحوم العلامة آية الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه الرسالة القيمة إلى بعض الملاحظات حول ما ورد في كتاب عروج الروح، وأهم هذه الملاحظات هي عدم الحاجة إلى الأستاذ في السير والسلوك إلى الله تعالى، إذ مؤدى هذا الأمر هو إنكار الولاية وكفاية التمسك بكتاب الله دون العترة. والملاحظة الثانية هي حمله على الفلسفة والحكمة، وأجاب عليها بأن الحكمة من الأمور التي تساعد الإنسان في الوقوف أكثر على مراد الأئمة عليهم السلام لا أنها علم بديل. والملاحظة الثالثة هي أن المعرفة تتنهي في حدود معرفة الولي، وأجاب أن العلاقة بالولي والإمام الحجة عجل الله فرجه هي مرآة للوصول إلى الله تعالى لا علاقة استقلالية.
رسالة سر الفتوح
15والجواب هو أنّ العلوم العقليّة هي التي تفتح لنا الطريق وترشدنا لكي نصل إلى هذه المعارف؛ فالعلوم العقليّة تجعلنا قادرين على تمييز طريق الصواب من طريق الخطأ. ونستطيع من خلال هذه العلوم أن نصل إلى حقائق تلك المعارف؛ وإلا فسوف نبقى غارقين في الجهل إلى يوم القيامة، ونظنّ أنفسنا أنّنا فهمنا الأخبار والروايات، لكن الأمر ليس كذلك.
وبما أنّ علم المنطق يميّز بين طريق الصواب وطريق الخطأ من جهة هيئة القياس، ويبيّن أنّ تشكيلة الصغرى والكبرى في القياس الاقتراني يجب أن تكون بكيفيّة معيّنة في الأشكال الأربعة للحصول على نتيجة منها، وإلا سنحصل على نتيجة خاطئة، وأنّ هذا العلم لا يتنافى مع الروايات والعلوم الشرعيّة، بل يفتح لنا الطريق ويرشدنا لتشكيل القياس في استنتاج المسائل الفرعيّة والأحكام وسائر المسائل الأخرى.. كذلك علم الفلسفة يفصل بين طريق الصواب وطريق الخطأ من جهة المادّة والنصّ، ويشير إلى أن المسائل البرهانيّة مختلفة عن مسائل الشعر والخطابة والجدل والمغالطة؛ وأنّه يجب التمسّك فقط بالبراهين والاحتراز من سائر المواد، وعليه فعلم العقائد المأخوذ من الشريعة والذي يستمدّ من منبع الحقيقة ونصّ الواقع، لا يمكن أن يتنافى مع النتائج المتّخذة من البراهين القطعيّة الفلسفيّة، كما أنّه لا يمكن للمسائل الفلسفيّة أن تتنافى مع الحقائق الشرعيّة.
وبعض آخر من مخالفي الفلسفة، يطرحون إشكالهم من جهة أخرى، فيقولون: بما أنّه لا يوجد حثّ على تعلّم هذه العلوم في الشريعة الغرّاء، فلا بدّ من تصنيفها في زمرة البدع والمحدثات التي يجب علينا أن نتجنّبها.
والجواب: إنّ الآيات القرآنيّة والروايات والأحاديث مليئة بالدعوة إلى العقل والتعقّل والفكر والتفكّر، فكيف يمكننا القول بأنّه لا يوجد ترغيب في دراسة العلوم العقليّة؟ إذ الأحاديث التي تدعو إلى العلم والتعلّم والاستفادة من محضر العالم متضافرة بل متواترة، وما هو موجود في الأمور الاعتقاديّة والمسائل الأصوليّة، ألا يعتبر دعوة إلى العلوم العقليّة؟
ومن جهة أخرى نعلم أنّ غاية خلق البشر هي الوصول إلى الكمال من جهة العقل العلمي والعملي، مضافاً إلى الوصول إلى درجات التوحيد ومعرفة ذات الباري عزّ وجل، وهذا الأمر لا يمكن أن يتحقّق في مرحلة القوّة التفكيريّة بدون دراسة العلوم العقليّة، وبناء عليه تكون دراسة العلوم العقليّة واجبة من باب وجوب المقدّمة عقلاً.
