
رسالة سر الفتوح
في الرد على كتاب عروج الروح
لقد أشار المرحوم العلامة آية الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه الرسالة القيمة إلى بعض الملاحظات حول ما ورد في كتاب عروج الروح، وأهم هذه الملاحظات هي عدم الحاجة إلى الأستاذ في السير والسلوك إلى الله تعالى، إذ مؤدى هذا الأمر هو إنكار الولاية وكفاية التمسك بكتاب الله دون العترة. والملاحظة الثانية هي حمله على الفلسفة والحكمة، وأجاب عليها بأن الحكمة من الأمور التي تساعد الإنسان في الوقوف أكثر على مراد الأئمة عليهم السلام لا أنها علم بديل. والملاحظة الثالثة هي أن المعرفة تتنهي في حدود معرفة الولي، وأجاب أن العلاقة بالولي والإمام الحجة عجل الله فرجه هي مرآة للوصول إلى الله تعالى لا علاقة استقلالية.
رسالة سر الفتوح
13وعليه فكلّ مساعينا لحلّ الألغاز المحيطة بالأخبار، إنّما ترجع في الحقيقة إلى فك الرموز الأدبيّة والكلاميّة، لكنّها لا تنفكّ في الواقع من اعتبارها ذات مستوى واحد؛ وهو ما يمكن للعوامّ الوصول إليه، ولذا كان علينا أن نسعى لشرح وتفسير النكات الأدبيّة في الروايات لكي يفهمها العوام. وأمّا السعي لحلّ اختلاف دقائق المعاني والتي هي أعلى من مستوى فهم العوام والتي تحتاج إلى أبحاث فلسفيّة عميقة ومعقّدة، فهي ليست مطلوبة منّا، ولذا لا نحتاج إلى العلوم العقليّة والحكميّة.
والحاصل أنّه قبل الوصول إلى الأخبار، يعتبر الشخص المحدّث نفسه أنّه واصل إلى هذه المعاني، ومستغنٍ عن البحث لحلّها والوصول إلى معناها. وعليه، فالمطلوب منه فقط أن يجمع هذه الأحاديث ويبيّن معاني كلماتها ويشرح بالتفصيل النكات اللغويّة الموجودة، لتصل إلى حدّ فهم العوام.
وهذا خطأ كبير جداً؛ لأنّا نعلم أنّ في هذه الأخبار مطالب عالية ومضامين عميقة تشير إلى حقائق لا يفهمها إلا أصحاب الفهم العالي والعقول الخالصة.
والذي يمكنه الوصول إلى تلك الحقائق إمّا الأشخاص الذين يمتلكون عقولاً عالية، أو الذين وصلوا بالمجاهدة والمعرفة والتعلّم في المدارس التي تعلّم هذه المطالب، فعندئذٍ يمكنهم كشف الحجاب من خلال توسعة الآفاق الذهنيّة، بالإضافة إلى الفحص والتدقيق والبحث والتباحث.
وذلك لأنّ غاية الدين هو التوحيد، والحال أنّ التوحيد الصرف والخالص أمر عظيم لا يحصل إلا بالمجاهدة عبر السنين، والتعبّد بالنواميس الدينيّة والعبادة الخالصة لله تعالى والشهود الوجداني، مضافاً إلى تقوية القوّة الذهنيّة والفكريّة.
ولأئمّتنا عليهم السلام بعض الإشارات والبيانات لتلك المسائل العميقة والحسّاسة، وبالأخصّ ما ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطب نهج البلاغة، وكذا ما ورد عن الإمامين الصادقين وعن الإمام الرضا عليهم السلام في توحيد الصدوق وفي عيون أخبار الرضا، والتي لا يمكن فهمها إلا من خلال الغوص في حركة فكريّة ووجدانيّة فقط؛ يعني من طريق الوصول إلى كمال اليقين. وإلا فجميع العبادات والمجاهدات التي تكون لأجل الوصول إلى اليقين والعلوم الحقيقيّة الإلهيّة، ستكون عبثاً وبدون جدوى.
وبما أنّ جميع الناس لم يصلوا إلى المعارف والعلوم الإلهيّة ـ والحال أنّه يجب أن يكونوا في طريق الوصول؛ حيث بيّن أئمّتنا عليهم السلام بالتفصيل وتكلّموا عن تلك الحقائق والمعارف ـ فعلينا أن لا نعتبر أنفسنا مستغنين عن دراسة العلوم العقليّة للوصول إلى حقائق كلام الأئمّة عليهم السلام، وإلا فمصيرنا سيكون الغرق في الجهل المركب.
