
رسالة سر الفتوح
في الرد على كتاب عروج الروح
لقد أشار المرحوم العلامة آية الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه الرسالة القيمة إلى بعض الملاحظات حول ما ورد في كتاب عروج الروح، وأهم هذه الملاحظات هي عدم الحاجة إلى الأستاذ في السير والسلوك إلى الله تعالى، إذ مؤدى هذا الأمر هو إنكار الولاية وكفاية التمسك بكتاب الله دون العترة. والملاحظة الثانية هي حمله على الفلسفة والحكمة، وأجاب عليها بأن الحكمة من الأمور التي تساعد الإنسان في الوقوف أكثر على مراد الأئمة عليهم السلام لا أنها علم بديل. والملاحظة الثالثة هي أن المعرفة تتنهي في حدود معرفة الولي، وأجاب أن العلاقة بالولي والإمام الحجة عجل الله فرجه هي مرآة للوصول إلى الله تعالى لا علاقة استقلالية.
رسالة سر الفتوح
11ومن جهة نرى أنّ رواة أحاديث الأئمّة سلام الله عليهم أجمعين، لم يكونوا متساوين، بل كان لكلّ واحد منهم مرتبة خاصّة ودرجة معيّنة؛ فالروايات المنقولة عن هشام بن الحكم ومؤمن الطاق ونظائرهما دقيقة جداً، وهي تفيد بوضوح أنّ أصحابها كانوا متضلّعين في العلوم العقليّة، كما توحي بأنه كانت لديهم إحاطة تامّة بالعلوم العقليّة وفنون استنباط الأحكام والقياسات العقليّة، والجدل والخطابة والبرهان، وأنّ الأئمّة المعصومين كانوا يبيّنون لهم الحقائق بأسلوب مختلف وبيان دقيق جداً وعميق. ومن المستحيل أن يتمّ فهم هذه المجموعة من الروايات بدون دراسة الفلسفة والاطّلاع على العلوم العقليّة.
كما تحتوي مناظرات الإمام الرضا عليه السلام مع أصحاب المذاهب والأديان على مطالب عقليّة دقيقة؛ بحيث أنّه بدون دراسة العلوم العقليّة لا يمكن أن يفهم منها إلا معانيها السطحيّة والظاهريّة، دون الوصول إلى روح المطلب ولبّه.
فالروايات الواردة عن الأئمّة المعصومين، تختلف عن الروايات الواردة عن العامّة أو الأخبار والروايات الواردة في سائر الأديان؛ التي تتّصف كلّها بالبساطة، ويمكن للعامّي أن يفهمها بسهولة. بل هي عميقة ودقيقة جداً وعلى هذا الأساس، لا بدّ من تقوية الفكر وتصحيح القياس من خلال الاطلاع على المنطق والفلسفة، وقبل الرجوع إلى هذه العلوم لا نستطيع الاستفادة من خزائن المعصومين عليهم السلام الذين يُعتبروا الدليل الوحيد للمسائل التوحيديّة.
وكم هو قبيح أن نأتي بعد ذلك ونقول: إنّ الأدلّة النقليّة الموجودة لدينا تكفي، والروايات الواردة إلينا تجعلنا في غنى عن العلوم العقليّة؟
أليست حجيّة الروايات قد حصلت بواسطة البرهان العقلي؟ والرجوع إلى الروايات مع إسقاط الأدلّة العقليّة هو تناقض واضح وخلف؟ وبعبارة أخرى: لا تمتلك الروايات الواردة عن المعصومين أي حجيّة قبل الرجوع إلى العقل وترتيب القياس، وبعد الرجوع إلى العقل نجد أنّه لا يوجد أي اختلاف بين هذا القياس العقلي وبين سائر الأدلّة العقليّة، وفي هذه الحالة سيكون الالتزام بمضمون الروايات والأحاديث الواردة مع إنكار الأدلّة العقليّة، موجباً للتناقض ولإبطال مقدّمة القياس بواسطة نتيجتها، وهذا من أفظع الشنائع.
والعجيب هنا أنّ مخالفي العلوم العقليّة يدّعون من جهة أنّ التقليد في أصول الدين ليس كافياً، وأنّ طريق التعبّد والتمسّك بالأخبار مسدود، بل يجب على كلّ إنسان أن يعتقد بهذه المباني عن يقين وعلم، وينقل العلامة الحلّي رحمة الله عليه الإجماع على هذه المسألة. ومن جهة أخرى يقولون: إنّ الخوض في العلوم العقليّة والحكمة المتعالية غير ضروري؛ لأنّ ما يأتينا من بحار معارف المعصومين اللامتناهية يجعلنا نستغني عن تلك العلوم. وهذا هو عين التناقض الصريح.
