
رسالة سر الفتوح
في الرد على كتاب عروج الروح
لقد أشار المرحوم العلامة آية الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه الرسالة القيمة إلى بعض الملاحظات حول ما ورد في كتاب عروج الروح، وأهم هذه الملاحظات هي عدم الحاجة إلى الأستاذ في السير والسلوك إلى الله تعالى، إذ مؤدى هذا الأمر هو إنكار الولاية وكفاية التمسك بكتاب الله دون العترة. والملاحظة الثانية هي حمله على الفلسفة والحكمة، وأجاب عليها بأن الحكمة من الأمور التي تساعد الإنسان في الوقوف أكثر على مراد الأئمة عليهم السلام لا أنها علم بديل. والملاحظة الثالثة هي أن المعرفة تتنهي في حدود معرفة الولي، وأجاب أن العلاقة بالولي والإمام الحجة عجل الله فرجه هي مرآة للوصول إلى الله تعالى لا علاقة استقلالية.
رسالة سر الفتوح
5ولا بد أن يقال في الجواب: نعم صحيح أنّهم وصلوا إلى الفعليّة المحضة، وترقّوا إلى درجة الكمال المطلق؛ وصار تجرّدهم تامّاً، وكذلك إحاطتهم بالأمور صارت تامّة، وأصبحوا مستقلّين في تدبير الأمور التكوينيّة، دون الحاجة إلى القدرة المستفادة من وجود الماهيّات الإمكانيّة، بل صاروا هم الذين يعطون الحياة ويفيضون الوجود من قبل الله عزّ وجل. لكن هل الأمر كذلك في الأمور التشريعيّة أيضاً؟ كلا وحاشا.
ففي هذه الأمور، يكون الإنسان المختار مكلّفاً بالتكليف، ويجب عليه أن يتّبع صلاحه من خلال ذلك، وأن يتخطّى مكائد الشيطان ويعبر منازل ومراحل النفس بالمجاهدة واتّباع الإمام وإطاعته ومخالفة النفس الأمّارة بالسوء، وهذا لا يمكن أن يحصل بدون المربّي والأستاذ الذي يكون على صلة بالإنسان، ويكون مرتبطاً به لكي يبيّن له طريق الخير من الشرّ، ويحدّد له النفع من الضرر.
وعلى هذا الأساس أرسل الله الأنبياء لهداية البشر، حيث كانوا على صلة بالبشر وكانوا يقومون بإرشادهم إلى طريق الخير والسعادة، كما أنّهم كانوا يتكلّمون معهم، وكانوا يبيّنون عبادة الله ويوضحون طريق الترقّي والكمال من خلال سيرتهم وسنّتهم ومنهاجهم، وإلا فما الحاجة إلى الأنبياء؟ فالله موجود على الإطلاق، مضافاً إلى كونه خبيراً وبصيراً وعليماً. وعليه فيمكن للناس أن يصلوا إلى طريق التكامل من خلاله تعالى بدون وساطة الأنبياء، ويمكنهم العمل على رفع المشاكل والموانع عن طريق الاتّصال بالباطن، ويسألون عن السعادة والشقاء بذاك السبيل، وسوف يقوم الله العليم الخبير بإرشادهم، إذ لا شك في أن علم الله تعالى وإحاطته أكبر من علم الأئمّة عليهم السلام وإحاطتهم؛ لأنّ علم الله ذاتي بينما علم الأئمّة وإحاطتهم من قبل الله سبحانه وتعالى، فضلاً عن كونه تبعياً وعرضياً. وعليه فكيف نقول بأن الله مع علمه الذاتي وإحاطته الأصليّة لم يترك للناس طريق الاتصال الباطني للهداية؛ بل قام بإرسال الأنبياء والرسل والوسائط بينه وبين الناس لكي يكونوا مع البشر، بينما ترك الناس بعد ارتحال الأنبياء والأئمّة عليهم السلام يستمدّون من أرواحهم بالقوّة الباطنيّة؟ هذا محال وخطأ.
وبعبارة أخرى، فاعليّة الأئمّة في الأمور التشريعيّة تعتبر فاعليّة تامّة وكاملة، ولكن قابليّة الناس ناقصة من هذه الناحية؛ لأنّ على الناس أن يتّصلوا بالخارج عن طريق حواسّهم الظاهريّة، وعليهم أن يقوّوا إرادتهم ونيّاتهم ويصلحوا أفكارهم وآراءهم بواسطة ذلك، وعليهم أيضاً أن يُخلِصوا في عملهم من هذا الطريق. ولا يتحقّق ذلك بدون وجود الأنبياء والأئمّة والقادة الموجودين معهم والذين يعيشون بينهم.
