
المرأة بين الإسلام وسائر الأمم
من وجهة نظر العلامة الطباطبائي
أهم محتويات المقالة: - مقدّمة في منهج البحث وأهمّ نقاطه؛ - حياة المرأة في الأمم غير المتمدنة؛ - حياة المرأة في الأمم المتمدّنة الخالية من القوانين قبل الإسلام؛ - حياة المرأة في الأمم ذات القوانين؛ - حال المرأة عند العرب (محيط نزول القرآن)؛ - ماذا أبدعه الإسلام في أمرها؟؛ - حريّة المرأة في المدنيّة الغربيّة.
المرأة بين الإسلام وسائر الأمم
15فالأشياء و من جملتها الإنسان إنما تهتدي في وجودها و حياتها إلى ما خلقت له و جهّزت بما يكفيه و يصلح له من الخلقة، و الحياة القيّمة بسعادة الإنسان هي التي تنطبق أعمالها على الخلقة و الفطرة انطباقا تامًّا، و تنتهي وظائفها و تكاليفها إلى الطبيعة انتهاءً صحيحًا، و هذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}۱ .
و الذي تقتضيه الفطرة في أمر الوظائف و الحقوق الاجتماعيّة بين الأفراد ـ على أن الجميع إنسان ذو فطرة بشرية ـ أن يساوى بينهم في الحقوق و الوظائف من غير أن يحبا بعض و يضطهد آخرون بإبطال حقوقهم، لكن ليس مقتضى هذه التسوية التي يحكم بها العدل الاجتماعيّ أن يبذل كلّ مقام اجتماعيّ لكل فرد من أفراد المجتمع، فيتقلّد الصبيّ مثلًا على صباوته و السفيه على سفاهته ما يتقلّده الإنسان العاقل المجرّب، أو يتناول الضعيف العاجز ما يتناوله القويّ المتقدّر من الشؤون و الدرجات، فإنّ في تسوية حال الصالح و غير الصالح إفسادًا لحالهما معًا.
بل الذي يقتضيه العدل الاجتماعيّ و يفسّر به معنى التسوية أن يعطى كلّ ذي حقٍّ حقّه و ينزّل منزلته، فالتساوي بين الأفراد و الطبقات إنّما هو في نيل كلّ ذي حقّ خصوص حقّه من غير أن يزاحم حقٌّ حقًّا، أو يهمَل أو يبطَلَ حقٌّ بغيًا أو تحكّمًا و نحو ذلك، و هذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى: {وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}٢ الآية، كما مرّ بيانه٣ ، فإنّ الآية تصرّح بالتساوي في عين تقرير الاختلاف بينهنّ و بين الرجال.
ثمّ إنّ اشتراك القبيلين أعني الرجال و النساء في أصول المواهب الوجودية أعني، الفكر و الإرادة المولّدتين للاختيار يستدعي اشتراكها مع الرجل في حريّة الفكر و الإرادة أعني الاختيار، فلها الاستقلال بالتصرّف في جميع شؤون حياتها الفرديّة و الاجتماعيّة عدا ما منع عنه مانع، و قد أعطاها الإسلام هذا الاستقلال و الحريّة على أتمّ الوجوه كما سمعت فيما تقدّم، فصارت بنعمة الله سبحانه مستقلّة بنفسها، منفكّة الإرادة و العمل عن الرجال و ولايتهم و قيمومتهم، واجدة لما لم يسمح لها به الدنيا في جميع أدوارها و خلت عنه صحائف تاريخ وجودها، قال تعالى: {فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (الآية).٤
- سورة الروم، الآية ٣۰.
- سورة البقرة، مقطع من الآية ٢٢۸.
- [قال رضوان الله عليه في تفسيرها في ج٢، ص ٢٣٢ من تفسير الميزان: المعروف هو الذي يعرفه الناس بالذوق المكتسب من نوع الحياة الاجتماعية المتداولة بينهم، و قد كرر سبحانه المعروف في هذه الآيات فذكره في اثني عشر موضعا اهتماما بأن يجري هذا العمل أعني الطلاق و ما يلحق به على سنن الفطرة و السلامة، فالمعروف تتضمن هداية العقل، و حكم الشرع، و فضيلة الخلق الحسن و سنن الأدب.
و حيث بنى الإسلام شريعته على أساس الفطرة و الخلقة كان المعروف عنده هو الذي يعرفه الناس إذا سلكوا مسلك الفطرة و لم يتعدّوا طور الخلقة، و من أحكام الاجتماع المبنيّ على أساس الفطرة أن يتساوى في الحكم أفراده و أجزاؤه فيكون ما عليهم مثل ما لهم إلا أن ذلك التساوي إنما هو مع حفظ ما لكلّ من الأفراد من الوزن في الاجتماع و التأثير و الكمال في شؤون الحياة فيحفظ للحاكم حكومته، و للمحكوم محكوميته، و للعالم علمه، و للجاهل حاله، و للقوي من حيث العمل قوته، و للضعيف ضعفه ثم يبسط التساوي بينها بإعطاء كل ذي حق حقه، و على هذا جرى الإسلام في الأحكام المجعولة للمرأة و على المرأة فجعل لها مثل ما جعل عليها مع حفظ ما لها من الوزن في الحياة الاجتماعية في اجتماعها مع الرجل للتناكح و التناسل. و الإسلام يرى في ذلك أن للرجال عليهن درجة، و الدرجة المنزلة.
و من هنا يظهر: أن قوله تعالى: وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، قيد متمم للجملة السابقة، و المراد بالجميع معنى واحد و هو: أن النساء أو المطلقات قد سوى الله بينهنّ و بين الرجال مع حفظ ما للرجال من الدرجة عليهن فجعل لهن مثل ما عليهن من الحكم]. - سورة البقرة، الآية ٢٣٤.
