
التعاطي السلميّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أهم محتويات المقالة: - شروط الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؛ - مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ - توضيح المراتب الثلاث ومستوياتها؛ - المستوى الأعلى من التغيير باليد (موضع الإشكاليّة)؛ - شروط الجهاد في الإسلام وكيفيّة الاسترقاق؛ - ما هو السبيل إلى الاستعباد في الإسلام؟؛ - و... .
التعاطي السلميّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
5حديث حول اشتراط الخبرة والبصيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومن المناسب هنا أن نذكر رواية للإمام الصادق عليه السلام في بيانه للمطالب السابقة؛ حيث يروي المرحوم الكلينيّ في كتاب الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق عليه السلام حيث سئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أواجب هو على الأمّة جميعًا؟ فقال: لا، فقيل له: ولِمَ؟ قال: إنّما هو على القويّ المطاع العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلًا إلى أيٍّ من أيٍّ، يقول من الحقّ إلى الباطل {فهو لا يملك الإدراك الصحيح ولا يقدر على الفهم الواقعيّ لمحتوى هذين الأصلين، وكثيرًا ما يريد أن يُظهر الحقّ ويُبيّنه، لكنّه يمزجه بالباطل من حيث لا يشعر}. والدليل على ذلك كتاب الله عزّ وجلّ قوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} ۱ فهذا خاصٌّ غير عامّ، كما قال الله عزّ وجلّ: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}٢ ولم يقل: على أمّة موسى ولا على كلّ قومه، وهم يومئذٍ أممٌ مختلفة، والأمّة واحدة فصاعدًا، كما قال الله عزّ وجلّ: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ} ٣ يقول: مطيعًا لله عزّ وجلّ. وليس على من يعلم ذلك في هذه الهدنة من حرج (وعليه ففي زمان السكوت والقعود لا يكون الشخص العالم واجدًا للشرائط المطلوبة) إذا كان لا قوّة له ولا عذر ولا طاعة.
قال مسعدة: وسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وسُئل عن الحديث الذي جاء عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّ أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر، ما معناه؟ قال: هذا على أن يأمره بعد معرفته (الكاملة بأطراف القضيّة وجوانبها وعلمه بحقيقة الدعوة واطّلاعه على واقعها)، وهو مع ذلك يقبل منه (هذا الكلام ويسمع موعظته)، وإلا فلا٤.
يستفاد من هذا الحديث أنّه... لا يمكن لأيّ شخص، مهما كانت موقعيّته وعلومه وسعة اطّلاعه على الأحكام الشرعيّة، أن يتصدّى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعتبر نفسه مطلق العنان فيهما دون التوجّه إلى حدوده الخاصّة ووظيفته في هذه المسألة. بل يجب عليه أن يحيط بشروط الأمر والنهي، والتي من جملتها بل من أهمّها معرفة الآمر بالمأمور به والمنهي عنه. وإلّا فكثيرًا ما يكون أمره موجبًا للمفسدة أو لتبعات لا تُحمد عقباها، وسوف تؤدّي إلى أن يفقد الطرف المقابل الاستعداد الموجود عنده لتلقّي الحقّ، كما حصل لذاك المسلم الذي ألزم جاره النصراني باعتناق الإسلام، ثمّ أخذ بيده إلى المسجد قبل موعد أذان الصبح بساعة، وبقيا معًا بعد صلاة الصبح يقرآن القرآن والأذكار ويصلّيان النوافل حتّى حان وقت صلاة الظهر، وبعد أداء الصلاة حثّه على البقاء في المسجد للاستفادة من أنواره وروحانيّته حتّى موعد صلاة العصر، وهكذا استمرا بقراءة القرآن والأذكار والأدعية حتّى موعد صلاة المغرب، وكذلك حتّى حان موعد صلاة العشاء، وبعد ذلك عاد إلى منزله بجسم متعب وأعصاب منهارة ونفسيّة متألّمة وخُلق ضيّق. وفي صباح اليوم التالي أتاه جاره قبل أذان الصبح بساعة ليصحبه في الذهاب إلى المسجد، لكنّ هذا الجار الذي أسلم لتوّه، ولم تكن نفسه قد استراحت من أعمال اليوم السابق وعذاب تكاليفه، أجاب جاره من وراء الباب: عد من حيث أتيت، فإنّ دينكم هذا يلائم من لا عمل له، وهو موجب لفساد حياة الإنسان، وتمزيق نظام العلاقة العائليّة وضرورات الحياة.
- سورة آل عمران، من الآية ۱۰٤.
- سورة الأعراف، من الآية ۱٥٩.
- سورة النحل، من الآية ۱٢۰.
- فروع الكافي، ج ٥، ص ٥٩، كتاب الجهاد، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث ۱٦.
