
شدّة الاهتمام بالأعياد الإسلاميّة وعيد الغدير
في مقابل النيروز وسائر المناسبات الوطنيّة
يرى أولياء الله أنّ الأعياد تحدّد هويّة المجتمع الثقافيّة وتفرض أجواءها على الناشئة؛ ومن هنا اهتمت بها الشريعة وحدّدت للأمّة أعيادًا تتناسب وأهدافها المعنويّة. ويوم غدير خمّ أعظم أعياد الأمّة بنصّ الرسالة، فينبغي أن يأخذ موقعه المناسب على حساب مختلف الأعياد القوميّة والوطنيّة. وحول ذلك نضع بين يدي القارئ ترجمة لبعض مقاطع الكتاب القيّم: النيروز في الجاهليّة والإسلام والذي ألّفه باللغة الفارسيّة سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ حفظه الله في هذا المجال.
شدّة الاهتمام بالأعياد الإسلاميّة وعيد الغدير
4ثمّ علينا أن نلتفت إلى أنّ معنى السنّة هو الثقافة والسيرة الخاصّة في المجتمع، وكلّ من يتّبع هذه السنّة فإنّه يُعنوَن كملتزم ومتقيّد بها، وذي اعتقاد قلبيّ بها، وانقياد تامّ أمامها، وليس المطروح في هذه المسألة القيامَ بالعمل بحدّ ذاته، وإنّما الشعور بالدخول في جوّ خاص، يؤدّي التخلّف عنه إلى لوازم وتبعات خاصّة، وإن لم يقم بهذا العمل نفسه في ظروف وحالات أخرى.۱
التوحيد هو المحور الأوحد للأفعال والاعتقادات الإنسانيّة في نظام الأديان الإلهيّة
إنّ التوحيد والالتفات إلى ذات الله وحده هو المحور للأفعال والاعتقادات في نظام الأديان الإلهيّة٢، حتّى النبيّ نفسه أو وليّ الله لا دور له في هذه المحوريّة ولو بمقدار ذرّة، وقد أكّدت آيات القرآن مرارًا على ذلك، وأنّ دور أنبياء الله هو مجرّد الرسالة وإبلاغ الحكم والإرادة الإلهيّة لا أكثر، والرسول أو النبيّ نفسه لا يختلف في أداء التكليف عن سائر عباد الله، ولا شأن لميله وإرادته في أمر الرسالة العظيم، وعليه على الدوام أن يجعل نظره وسمعه وقلبه وضميره متّجهة نحو مبدأ الوجود والذات الأحديّة، فينظر ما هو الحكم أو الأمر الصادر منها.٣ تقول الآية الشريفة: {إِنَّكَ لا تَهْدي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدي مَنْ يَشاءُ}٤
أي أنّه لا وجود في مسألة الهداية والشريعة لرغبات الناس وميولهم وما يحبّونه، وإنّما الموجود هو إرادة الحقّ ومشيئته فله الكلام أولًا وآخرًا، وعلى الجميع أن يجعلوا هذه القاعدة نصب أعينهم في أمر تبليغ رسالته.
كلام المرحوم العلامة الطهراني عن عيد الغدير وأعياد الإسلام وبدعة النيروز في كتاب معرفة الإمام
لقد تحدّث المرحوم الوالد المعظّم ـ قدّس الله سرّه ـ في الكتاب الشريف معرفة الإمام لصفحات عن أهميّة عيد الغدير والاهتمام بإحيائه، وذلك بأفضل نحو وأبهى منزلة؛ حتّى ليقال حقًّا: إنّه أتمّ البيان، وأدّى هذه الحادثة العظمى كامل حقّها بتلك العبارات، ونحن هنا ننقل نصّ كلامه تيمّنًا وتبرّكًا ولا نزيد عليه:
السبب في تسمية يوم الغدير عيدًا ومعنى العيد في اللغة والعرف
أجل، يقال لعيد الغدير: عيدٌ؛ لأنّ الذكريات والقضايا المهمّة قد وقعت في ذلك اليوم في غدير خمّ، من خطبة رسول الله، وأخذه بضبعي عليّ حتّى بان بياض إبطيهما، وتعريفه للناس، ثمّ الأمر بالسلام عليه بلفظ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أميرالمؤمنين بعد نصبه في خلافة رسول الله، وإعطائه الولاية الإلهيّة الكلّيّة، ونزول آية إكمال الدين وإتمام النعمة، وآية التبليغ وانقياد المخالفين وتسليمهم أمام تلك العظمة والأبّهة الحقيقيّة والظاهريّة، ثمّ مخالفتهم بعد وفاة رسول الله، وأخيراً ما تركته من نتائج سريعة. كلّ ذلك يرتبط بيوم عيد الغدير، ويعود إليه، ويدلّ عليه، وتهطل تلك البركات النازلة على أهله.
- للاطلاع على تأثير الثقافة على أفكار المجتمع انظر رساله اجماع، لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني، ص ۱٩ و٢٥ والكلام القيّم للعلاّمة الطباطبائي ـ رضوان الله علیه ـ في المیزان، ج ٤، ص ٩۷؛ حيث يقول: ...وبالجملة لازم ذلك على ما مرت الإشارة إليه تكوّن قوىً و خواصّ اجتماعيّة قوية تقهر القوى والخواصّ الفرديّة عند التعارض والتضاد، على أن الحسّ والتجربة يشهدان بذلك في القوى والخواصّ الفاعلة والمنفعلة معًا، فهمّة الجماعة وإرادتها في أمر كما في موارد الغوغاءات وفي الهجمات الاجتماعيّة لا تقوم لها إرادة معارضة ولا مضادّة من واحد من أشخاصها وأجزائها، فلا مفرّ للجزء من أن يتبع كلّه، ويجري على ما يجري عليه، حتى أنه يسلب الشعور والفكر من أفراده وأجزائه، وكذا الخوف العام والدهشة العامة كما في موارد الانهزام ... أو ما هو دونها كالرسومات المتعارفة والأزياء القوميّة ونحوهما تضطر الفرد على الاتباع وتسلب عنه قوة الإدراك والفكر... إن تربية الأخلاق و الغرائز في الفرد وهو الأصل في وجود المجتمع لا تكاد تنجح مع كينونة الأخلاق والغرائز المعارضة والمضادة القويّة القاهرة في المجتمع إلا يسيرًا لا قدر له عند القياس والتقدير.
- انظر معرفة الإمام ، ج ٢، ص ۷٢؛ ج ۱٤، ص ٦٩ نقلًا عن الميزان ج۱٢ ص ۱۰٦؛ أسرار الملکوت، ج ٢، ص ٢۱٦.
- انظر كتاب: حیات جاوید، ص ٣٢.
- سوره القصص (٢۸) آیه ٥٦.
