
شدّة الاهتمام بالأعياد الإسلاميّة وعيد الغدير
في مقابل النيروز وسائر المناسبات الوطنيّة
يرى أولياء الله أنّ الأعياد تحدّد هويّة المجتمع الثقافيّة وتفرض أجواءها على الناشئة؛ ومن هنا اهتمت بها الشريعة وحدّدت للأمّة أعيادًا تتناسب وأهدافها المعنويّة. ويوم غدير خمّ أعظم أعياد الأمّة بنصّ الرسالة، فينبغي أن يأخذ موقعه المناسب على حساب مختلف الأعياد القوميّة والوطنيّة. وحول ذلك نضع بين يدي القارئ ترجمة لبعض مقاطع الكتاب القيّم: النيروز في الجاهليّة والإسلام والذي ألّفه باللغة الفارسيّة سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ حفظه الله في هذا المجال.
شدّة الاهتمام بالأعياد الإسلاميّة وعيد الغدير
13و ذكر ابن خَلَّكان في ترجمة المُسْتَعْلي بن المستنصر أنّه بُويِعَ في عيدِ غَديرِ خُمٍّ، وهو الثامن عشر من ذي الحجّة سنة سبع وثمانين وأربعمائة.۱
و قال العلّامة الأميني: قال ابن خَلّكان أيضاً في ترجمة المُسْتَنْصِر بالله العبيديّ: توفي ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجّة سنة ٤۸۷.
ثمّ قال ابن خَلّكان: هذه الليلة هي ليلة عيد الغدير، أعني: ليلة الثامن عشر من ذي الحجّة، وهو غدير خُمّ (بضمّ الخاء وتشديد الميم). ورأيت جماعة كثيرة يسألون عن هذه الليلة متى كانت من ذي الحجّة؟ وهذا المكان بين مكّة والمدينة، وفيه غدير ماء، ويقال: إنّه غيضة هناك. ولما رجع النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله من مكّة شرّفها الله تعالى عام حجّة الوداع، ووصل إلى هذا المكان، وآخى عليّ بن أبي طالب وقال: "عَلِيّ مِنيكَهَارُونَ مِنْ موسى، اللهُمَّ والِ مَنْ والاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ".
و للشيعة به تعلّق كبير.
وقال الحازميّ: غدير خمّ واد بين مكّة والمدينة عند الجحفة غدير عنده خطب النبيّ. وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة وشدّة الحرّ. إلى آخر كلام ابن خلّكان.
و قال الثعالبيّ في «ثمار القلوب» بعد أن عدّ ليلة الغدير من الليالى المشهورة (و المعروفة) عند الأمّة: وهي الليلة التي خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله في غدها بغدير خُمّ على أقتاب الإبل، فقال في خطبته: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذلْ مَنْ خَذَلَهُ". والشيعة يعظّمون هذه الليلة ويحيونها قياماً.٢
و ممّا يدلّ على هذا العيد، التهنئة لأميرالمؤمنين عليه السلام من الشيخين، وأمّهات المؤمنين (نساء رسول الله)، وغيرهم من الصحابة بأمر رسول الله، ومعلوم أنّ التهنئة من خواصّ الأعياد والأفراح.
امتداد عيد الغدير إلى زمان النبيّ صلوات الله عليه وآله
الثانية: أنّ عهد هذا العيد يمتدّ إلى زمن النبيّ، كما تدلّ على ذلك كتب التأريخ، وهو اتصال للدور النبويّ، فكانت بداية يوم الغدير في السنة العاشرة من الهجرة بعد حجّة الوداع، لما أصحر رسول الله بالأمر في تلك المراسم التي أقيمت في ساحة فسيحة، وبحضور الملأ من المسلمين، وأبان فيها مستقرّ إمرته وحكومته من الوجهة الدينيّة والدنيويّة، وحدّد لهم مستوي أمر دينه الشامخ وطريقه الواضح جيلًا بعد جيل ونسلًا بعد نسل، وقال: "فَلْيُبَلِّغ الشَاهِدُ الغَائِبُ"، ويتحدّث عن هذا المشهد العظيم بعد عودته إلى وطنه، وعلى هذا، فإنّ ذلك اليوم كان موسماً عظيماً ويوماً مشهوداً يسرّ كلّ معتنق للإسلام، ويبهجه بهذه الموهبة الكبرى وهو يرى البناء الرصين للإمامة وخلافة المسلمين، ويشهد استمرار طريق الشريعة وديمومة أنوار أحكامها، فلا تلويها الآراء الفاسدة والأهواء الكاسدة عن مسارها، وتتمكّن النفوس المشتاقة والأرواح الشائقة إلى بلوغ المعنويّات من التحرّك في ضوء هذا المنهج حتّى يوم القيامة، فتظفر بالكمال النفساني من القوّة والاستعداد إلى الفعليّة.
- وفیات الأعیان، طبع بیروت، ج ۱، ص ۱۸۰.
- الغدیر، ج ۱، ص ٢٦۸ و ٢٦٩.
