
بر الوالدين بين المادية والإسلام
بحث يقارن بين برّ الوالدين في الإسلام و بين علاقة الأولاد بوالديهم في التعاليم المادية، و جدير بالذكر أن البحث مستخلص من كتاب نور ملكوت القرآن للعلامة الطهراني قدس سره
بر الوالدين بين المادية والإسلام
6وكذلك فقد أورد في «أصول الكافي» بسنده المتّصل عن الصادق عليه السلام أنّه قال: لَوْ عَلِمَ اللهُ شَيْئَاً أدْنِى مِنْ أفٍّ لَنَهَى عَنْهُ، وَهُوَ مِنْ أدْنَى العُقُوقِ، وَمِنَ العُقُوقِ أنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلى وَالِدَيْهِ فَيُحِدَّ النَّظَرَ إليهمَا. ۱
انظر إلى هذه التعاليم والتربية العالية، وإلى هذا الأسلوب والمنهج الملكوتيّ الذي يهدي به القرآن من اتّبعه إلى سُبل السلام، وقارنها بتعاليم الأمم الكافرة وأسلوب معاملة بعض الشباب المغرور الذي سافر إلى أوروبّا وأمريكا فأضلّه بريق المدنيّة الزائف، فصعّر خدّه، وتقدّم على أبيه في المجالس والمحافل، لا يبالي؛ وقد شاهدت بنفسي دكتوراً أخصّائيّاً سبق أباه في الدخول لأحد المجالس ووالده يتبعه ويسير خلفه، ونُقل أعجب من هذا عن دكتورٍ شابّ عاد من بلاد الكفر فجاءه رفقاؤه وأصحابه القدامى لزيارته، وكان أبوه العجوز واقفاً يستقبل القادمين ويقوم بخدمتهم، فالتفت هذا الدكتور لشدّة غروره وعجرفته قائلًا لضيوفه: هذا الرجل مستخدم جئنا به للخدمة في البيت.
{أفٍّ لَّكُمْ وَ لِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ}٢
حقّاً! إنّ الإنسان إذا قال أفٍّ لأهواء وأفكار هؤلاء المستكبرين الذين حازوا على مقامٍ ومركزٍ حديثاً، ولو قال أفٍّ ثمّ بصق عليهم وعلى فكرهم و أسلوبهم ونهجهم لما تجانف عن الحقّ، ولكان في ذاك محقّاً مصيباً. أفهذه الأعمال تصدر من أمّةٍ قال نبيّها: الجَنَّةُ تَحْتَ أقْدَامِ الامَّهَاتِ؟!٣ و ٤
كان ما سبق بحثاً علميّاً و تفسيريّاً للآية المبحوثة، و من جانب آخر فإنّ البحث الوجدانيّ و الشهوديّ عن تأثير دعاء الوالدينِ في حقّ ولدهما، وما له من القدرة على رفعه في معارج الكمال و مدارجه، والشواهد والتجارب المشهودة في ذلك هي من الكثرة بحيث لا يسعها هذا الكتاب.
قصّة مَنْ كُشِفَ له حجاب الملكوت لبرّه بأمّه
وأنقل هنا فقط ملاقاةً لي مع شخصٍ ارتقى إلى مقام عالٍ إثر خدمته لُأمّه، و حدث له كشف الحُجب الملكوتيّة:
حدث أن ذهبت في طهران يوماً إلى المكتبة الإسلاميّة الواقعة في شارع (بوذر جمهري)، و كان الحاجّ السيّد محمّد الكتابجيّ، و هو أحد المشاركين في هذه المؤسّسة، مشغولًا في مخزن الشركة الواقع في انتهاء شارع (بامنار) قرب شارع (بوذر جمهري) الذي تقع فيه المكتبة، و كان هذا السيّد المذكور من بين الإخوة المتصدّين لمسؤوليّة إدارة مخزن الكتب و إرسال طلبات الكتب إلى المدن الأخرى، و بيع الكتب بالجملة. و قد زرته لرؤيته في ذلك المخزن لما بيننا من رابطة صداقة قديمة، و كنت أذهب إليه غالباً لشراء ما أحتاج من كتب.
- «تفسير البرهان» ج ۱، ص ٦۰۱، تفسير سورة الإسراء، الطبعة الحجريّة، و «تفسير نور الثقلين» ج ٣، ص ۱٤۸ و ۱٤٩.
- الآية ٦۷، من السورة ٢۱: الأنبياء: ﴿افٍّ لَّكُمْ وَ لِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
- «الجامع الصغير» للسيوطيّ ص ۱٤٥.
- ينقل سماحة السيد محمد محسن الطهراني في كتابه أسرار الملكوت (ج٢ ص ٢۸٢) عن والده المرحوم العلامة أنه كان يقول: إذا كانت العلاقات فيما بين عائلة يهودية قائمة على أساس العشق والمحبة والسرور والبهجة والود والاستئناس، فتلك العائلة أقرب إلى أمير المؤمنين عليه السلام من عائلة تدّعي التشيع ومتابعة أمير المؤمنين عليه السلام، ويكون الطاغي عليها حالة النزاع والشجار والكدورة ويقول عنه في كتاب الشمس المنيرة ص۱٥۱: وكان يؤكّد في تمام كلامه على خدمة الناس ومداراتهم، والإيثار والإعراض عن الدنيا وشراك الشيطان، ونشر المحبّة والصفاء بين الأصدقاء والرفقاء والأخلّاء الروحانيّين، والمحافظة على المودّة والمحبّة داخل الأسرة. وكانَ يقول:إنّ الأسرة اليهوديّة التي تعيش بمحبّة وأنس وودّ، أقرب إلى الله من عائلة تُعتبر من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام تعيش بصراع دائم وكدورة، كما أنّ الممرّض المسيحي في المستشفى الذي يخدم المرضى بأحسن وجه طلباً لرضا الله، هو واقعاً من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام، بينما ذاك الممرّض الشيعي الذي يتعامل مع المرضى بعنف وقسوة ويكسر قلوبهم، فهو بعيدٌ عن ممشى أمير المؤمنين عليه السلام وسنّته.
