
بر الوالدين بين المادية والإسلام
بحث يقارن بين برّ الوالدين في الإسلام و بين علاقة الأولاد بوالديهم في التعاليم المادية، و جدير بالذكر أن البحث مستخلص من كتاب نور ملكوت القرآن للعلامة الطهراني قدس سره
بر الوالدين بين المادية والإسلام
5وجوب احترام الأبوين ولو كانا مشركين
لقد رفع الإسلام مسألة وجوب احترام الوالدين وإجلالهما للحدّ الذي عدّ القرآن الكريم احترامهما ومصاحبتهما بالمعروف في الأمور الدنيويّة أمراً واجباً ولو كان الأبوان مشركينِ، مع أنّه حرّم متابعتهما في الشرك أو إطاعتهما في المسائل المخالفة للدين، وفي تحليل الحرام أو تحريم الحلال، وأغلق طريق متابعتهما بشكل كامل في هذا المجال.
{وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ امُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ في عَامَيْنِ أنِ اشْكُرْ لِى وَ لِوَالِدَيْكَ إلي المصِيرُ ، وَإن جَاهَدَاكَ عَلَى أن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَ صَاحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبعْ سَبِيلَ مَنْ أنَابَ إلي ثُمَّ إلي مَرْجِعُكُمْ فَانَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ}۱
{وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَ إن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إلي مَرْجِعُكُمْ فَانَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}٢
لقد كان الفتيان اليهود والنصارى يقدمون إلى المدينة فيُسلمون، ثمّ يعودون إلى ديارهم فيصبح سلوكهم ومعاملتهم مع آبائهم وأمّهاتهم الخارجين عن دينهم أفضل وأجمل، ممّا كان يثير عجب آبائهم وأمّهاتهم ودهشتَهم، فيتساءلون: كنّا نظنّكم -و قد تبعتم دين محمّد- تتركوننا و شأننا، لكنّنا نرى محبّتكم وعطفكم قد زادا، وسعيكم في حوائجنا وبرّكم لنا ووقفَكم أنفسكم على خدمتنا صار أكثر!!
فيجيبونهم: إنّ هذه المعاملة من أوامر وتعاليم الدين الإسلاميّ؛ فكان الأبوان يأتيان المدينة فيُسلمان، وتسلم معهم قبائلهم و طوائفهم.٣
روى في «أصول الكافي» بسنده المتّصل عن أبي ولّاد الحنّاط، قال: سَألْتُ أبَا عَبْدِ اللهِ عَلَيه السَّلَامُ عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا}، مَا هَذَا الإحْسَانُ؟
فَقَالَ: الإحْسَانُ أنْ تُحْسِنَ صُحْبَتَهُمَا، وَأنْ لَا تُكَلِّفْهُمَا أنْ يَسْألَاكَ شَيْئَاً مِمَّا يَحْتَاجَانِ إليه وَإنْ كَانَا مُسْتَغْنِيَيْنِ، أليسَ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حتى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}؟
ثُمَّ قَالَ أبُوعَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَ أمَّا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ: {إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أحَدُهُمَآ أوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا}، قَالَ: إنْ أضْجَرَاكَ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أفٍّ، وَلَا تَنْهَرْهُمَا إنْ ضَرَبَاكَ وَتَدْفَعُهُمَا عَنْكَ.
قَالَ: {وَ قُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} قَالَ: إنْ ضَرَبَاكَ فَقُلْ لَهُمَا: غَفَرَ اللهُ لَكُمَا. فَذَلِكَ مِنْكَ قَوْلٌ كَرِيمٌ، قَالَ: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} قَالَ: لَا تَمْلأ عَيْنَيْكَ مِنَ النَّظَرِ إليهمَا إلَّا بِرَحْمَةٍ وَرِقَّةٍ، وَلَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فَوقَ أصْوَاتِهِمَا، وَلَا يَدَكَ فَوْقَ أيْدِيهِمَا، وَلَا تَقَدَّمْ قُدَّامَهُمَا.
- الآيتان ۱٤ و ۱٥، من السورة ٣۱: لقمان.
- الآية ۸، من السورة ٢٩: العنكبوت.
- روى الغزّاليّ في «إحياء العلوم» ج ٢، ص ۱٩٥، عن أبي سعيد الخدريّ: هاجر رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم من اليمن و أراد الجهاد، فقال عليه السلام: هل باليمن أبواك؟ قال: نعم. قال: هل أذنا لك؟ قال: لا. فقال عليه السلام: فارجع إلى أبويك فاستأذنهما، فإن فعلا فجاهد وإلّا فبرّهما ما استطعت فإنّ ذلك خير ما تلقى الله به بعد التوحيد.وجاء آخر إليه صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ليستشيره في الغزو، فقال: ألَكَ والدة؟ قال: نعم. قال: فالزمها، فإنّ الجنّة عند رجليها.
وجاء آخر يطلب البيعة على الهجرة، وقال: ما جئتك حتى أبكيت والديَّ. فقال: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما.
