انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

يتم تشغيل هذا الملف الصوتي
جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة

بر الوالدين بين المادية والإسلام

15٬743

بحث يقارن بين برّ الوالدين في الإسلام و بين علاقة الأولاد بوالديهم في التعاليم المادية، و جدير بالذكر أن البحث مستخلص من كتاب نور ملكوت القرآن للعلامة الطهراني قدس سره

بر الوالدين بين المادية والإسلام

3
  • بكاشتند و بخورديم و كاريم و خورند***چو نيك بنگري همه برزيگران يكدگريم
  • يقول: [زرعوا فأكلنا و نزرع فيأكلون، فلو أمعنت النظر فكلّ منّا لبعضه مزارع]

  • بين الإسلام والحضارة الماديّة

  • لكنّ الثقافة الضالّة، والحضارة الغربيّة والشرقيّة، لا تقيم وزناً للإنسان‌، ولا تعترف له بشخصيّة ولا أصالة، بل هو في نظرها ليس إلّا وسيلةً من وسائل العمل، وأداةً للحصول على المقاصد المادّيّة والموارد الاقتصاديّة.۱

  • فالأبوان يمتلكان المقام والمنزلة في المجتمع مادام في إمكانهما العمل ودرّ المنافع المادّيّة، لكنّهما حين يعجزان عن العمل أو قضاء أعمالهما الخاصّة بنفسيهما ـ للمرض أو لضعف الشيخوخة وفتورها ـ يصبحان في نظر المجتمع والقانون، وحتّى في عرف الناس، عالتينِ لا قيمة لهما ولا أهمّيّة ولا اعتبار، فيعمد أولادهما إلى التعاقد مع‌ المستشفيات الخاصّة فيبيعون -مقدّماً- أعينهما وكليتيهما، فيعمد إليها عند نزعهما واحتضارهما، فتنتزع العيون من أحداقها بالسكّين، وتُبقر البطون فيستأصل القلب والكلى، و يمثّل بالبدن ويمزّق تمزيقاً، ثمّ يتركانهما للدولة لتتولّى مسألة دفنهما.

  • لقد مثّل الآباء والأمّهات دور الأبقار الحلوب، تُحلب ما درّت ضروعها، حتى إذا ما كبرت وهرمت وانعدمت عوائدها، عدّت عضواً زائداً شاذّاً في المجتمع، فُينقل الآباء والأمّهات -طوعاً أو كرهاً- بعيداً عن المجتمع إلى محلّ خاصّ بين المدينة والمقابر، أشبه ما يكون بالسجن الواسع أو المستشفى الأبديّة، يدعونه فندق الكبار أو دار استراحة العجزة والمسنّين.

  • لا أنس لهم هناك ولا أنيس، ولا صديق ولا دار ولا ديّار، بل هي الوحدة، والوحدة المرّة القاتلة، والفراغ المميت والوحشة الرهيبة حتّى الموت.

  • إنّهما الأبوان اللذان قضيا عمرهما وضيّعاه من أجل هذا الولد، وأنفقا من أجله وجودهما ومالهما وحياتهما؛ لكنّهما حين تخطّاهما الزمن فكبرا وعجزا عن تأمين متطلّباتهما الخاصّة أصبحا عبئاً متعباً ثقيلًا للابن!

  • الرجل بين زوجته ووالديه!

  • والأسوأ من ذلك أنّ زوجة ابنهما لم تعد لتسمح ببقائهما في المنزل، بل تعتبرهما جراثيم ضارّة، لربّما أمرت فخُصّص لهما غرفة الخدم، أو أشارت فألقي بهما إلى الخارج، فينقلان إلى دار العجزة والمسنّين.

  • لقد صار الابن عبداً طيّعاً لزوجته، لقد انغمر في الشهوات، وذاب في عشق الجمال الظاهريّ فقدّم إرادتها في أمور الحياة، حتى صار بإشارة بسيطة منها تكفيه ليسعى بمنتهى الجدّ لتنفيذها مهما كلّف الثمن أو كانت التضحيات.

    1. يقول أحمد أمين المصريّ في كتابه «يوم الإسلام» ص ۱۷۰ إلى ۱۷٣: نعم إنّ هناك فروقاً اجتماعيّة كبيرة بين العالم الأوروبّيّ والعالم الإسلاميّ، فالعالم الأوروبّيّ يبني حياته على العلم و النتائج العلميّة والاستقلال والحرّيّة والابتكار ونحو ذلك، والعالم الإسلاميّ ينظّم حياته على أساس الاتّكال والخمول والاعتقاد الذي ساد في القضاء والقدر ويطربه جدّاً سماع قصص تروي عن غنيّ افتقر أو فقير اغتنى. و شيخ استولى ونحو ذلك. ونحن لا نريد أن يحذو المسلمون حذو الأوروبّيّين في كلّ شي‌ء بل نريد أن يحذو حذو الأوروبّيّين في العلوم والصناعات بحذافيرها من غير قيد ولا شرط ولكن يحتفظون بروحانيّتهم ونظرتهم إلى العالم نظرة غير النظرة الأوروبّيّة. فالأوروبّيّ ينظر إلى الطبيعة كأنّها عدوّ يكافحه ليفشي سرّه، ولكنّ النظرة الإسلاميّة تنظر للطبيعة على أنّها صديق وأنّها من نتاج الربّ الذي أنتجه.والأوروبّيّون يضعون الله كما توضع الصورة الجميلة على الرفّ، لا دخل لها فيما يحدث حولها، و المسلمون يرون الله في كلّ شي‌ء، في الأمور الدينيّة و الدنيويّة معاً، فإذا باعوا أو اشتروا أو أجّروا أو رهنوا راقبوا الله، حتى في أصغر الأعمال كالاستياك والاغتسال، و عندهم أنّ النيّة الصادقة أقوم من العمل نفسه وفي حديث رسولهم صلّى الله عليه [و آله‌] وسلّم: إنَّما الأعمال بالنيّات وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى. وفرق بين رجلين يعملان عملًا واحداً، أحدهما نوى الخير فيما يعمل، والآخر لم ينو شيئاً أو نوى الشرّ. فهم يسيرون في حياتهم الدنيويّة متأثّرين بالدين وليس الدين مقصوراً على العبادات. وهذا ما ينقص الغرب، فإن وجب على المسلمين أن يقلّدوا الغربيّين في العلم والصناعات تقليداً تامّاً ويسايروهم ويجروا معهم وجب أن يحتفظوا بنظرتهم الدينيّة إلى الحياة وهي النظرة التي يتميّزون بها عن الغربيّين. ولكنّ موضع السوء أنّ كثيراً من المسلمين و خاصّة المتنوّرين منهم يريدون أن يقلّدوهم تقليداً تامّاً في كلّ شي‌ء حتى في نظرتهم إلى الطبيعة ونظرتهم إلى الحياة. و يدعوهم إلى ذلك خطأ كبير وقعوا فيه وهو ما عندهم من مركب النقص، إذ ظنّوا أنّ الغربيّين متى فاقوهم في العلم وجب أن يقلّدوهم في كلّ شي‌ء، وفاتهم أنَّ المهارة في ناحية لا تقتضي المهارة في النواحي الأخرى وأنّ روحانيّتهم ونظرتهم إلى العالم خير من نظرة الأوروبّيّين، ولا يمكن أن يفيقوا من غفلتهم إلّا إذا اعتقدوا أنّ روحانيّتهم خير للعالم كلّه وأنّهم إذا كانوا انحطّوا في العلم والصناعة فقد سموا بالفطرة الروحانيّة، وأنّهم إذا وجب أن يقلّدوا في العلم وجب أن يقلّدهم الأوروبّيّون في النظرة الروحانيّة وليس الأوروبّيّون متسامين في كلّ شي‌ء. ومن المؤسف أنّهم حذوا حذو الأوروبّيّين في تعليمهم و نمط تربيّتهم، فأسّسوا المدارس المدنيّة على النمط الأوروبّيّ و لم يشذّ عن ذلك إلّا الأزهر، وقد قال أبوالعلاء المعرّيّ:
      اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا***دين و آخر ديّن لا عقل له‌
      فالمدارس المدنيّة محرومة من التربية الدينيّة والأدبيّة. نعم يسوغ لنا أن نقلّدهم تمام التقليد في العلوم ومعامل التجارب ونحو ذلك فقط، ولكن لا نقلّدهم في الناحية الأدبيّة، فهم يدرسون التأريخ على أنَّ أوروبّا سَيِّدَةُ العالم، و على أنّ رَجُلَها الأبيض هو المسؤول عن الأسود والأصفر، وأنّ الله خلق العالم قسمين: قسماً اوروبّيّاً سامياً وقسماً غير أوروبّيّ منحطّاً، ومن أجل ذلك يؤرِّخون أوروبّا كأنّها المركز وما حولها نقط على المحيط، وإذا جاؤوا للتأريخ الإسلاميّ اقتضبوه أو حرّفوه، فوجب على المسلمين أن يفرّقوا بين ما هو علميّ يُقَلَّد وما هو أدبيّ لا يُقَلَّد. وهذه المدارس لا تأبه بالدين إلّا شكليّاً ولذلك يجهلون أصول الدين كلّ الجهل ويتبعون الأوروبّيّ في منهجهم كلّ الاتّباع، ورأس هذه الحركة الجامعة المصريّة التي تقود المدارس الثانويّة والابتدائيّة، فهم لا يسألون في كلّ أمر عرض ماذا رأى الإسلام؟ ولكن يسألون ماذا يرى الأوروبّيّون؟ كأنّ الله اصطفى الأوروبّيّين وحدهم و جعل غيرهم ذيلًا لهم.وإن كان في كلٍّ من الشرق و الغرب عيوب ففيه أيضاً محامد؛ فالغرب أصحّ رأساً و أعظم علماً و أصبر على الشدائد و على البحث العلميّ، و له مهارته في الذكاء *** وله اليد المفكّرة، والشرق له سماحة صدر وله روحانيّة يعترف بها حتى الأقدمون؛ فقد قال فندلبند عند كلامه على الإسكندريّة إنّه قد التقت فيها مادّيّة الغرب بروحانيّة الشرق.
/ 380