
بر الوالدين بين المادية والإسلام
بحث يقارن بين برّ الوالدين في الإسلام و بين علاقة الأولاد بوالديهم في التعاليم المادية، و جدير بالذكر أن البحث مستخلص من كتاب نور ملكوت القرآن للعلامة الطهراني قدس سره
بر الوالدين بين المادية والإسلام
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
قال الله الحكيم في كتابه الكريم:۱
{لَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا ، وَ قَضَى رَبُّكَ ألَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ وَ بِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أحَدَهُمَآ أوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ افٍّ وَ لَا تَنْهَرْهُمَا وَ قُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ، وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ، رَّبُّكُمْ أعْلَمُ بِمَا في نُفُوسِكُمْ إن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كان لِلأوَّابِينَ غَفُورًا }٢
بر الوالدين من سبل السلام
يشير [تعالى] في هذه الآيات إلى سبيل من سبل السلام، ألا و هو احترام الأبوين و إكرامهما في سنّ الكهولة، و فوق ذلك في سنّ الهرم حين يبدأ التهالك و الضعف بالهجوم على بدنيهما إثر
الشيخوخة والهيمنة التدريجيّة لجيوش الموت، وربّما سيبدر منهما في تلك السنّ -بلا قصد- الكلام الخشن والعبارات غير الجميلة المسبّبة عن الإرهاق وعدم تحمّل المشاكل والمزعجات من الأمور.
ويصدر القرآن هنا تعاليمه فيأمر الولد أن يبّر والديه ويعاملهما باحترام وأدب، وببذل المساعي الجميلة في تأمين حوائجهما، وبخفض جناح الذلّ والخضوع، بلا إكراه أو إجبار، ولا لحسابات مصلحيّة أو من باب الاحتياط، بل لمحض الصدق والإخلاص وعين الرحمة والرأفة، بل إنّ عليه -مضافاً إلى تحمّل المشاق من أجلهما- أن يدعو لهما بطلب الرحمة والمغفرة من الله تعالى.
ونلاحظ أنّ الإسلام قد اعتبر برّهما الذي يقترن بمجاهدة النفس ورياضتها، من أهمّ تعاليمه التي جعلها جزءاً من الوظائف العمليّة للإنسان.
إنّ الإنسان يتحمّل المشاق منهما فيطهر من هوى النفس، ويصبر على ما يكره منهما فيجُزى الأجر الجزيل، ويكتسب سعه الروح والصدر، ويرضي والديه فيدعوان له بالخير؛ وسيصبح هذا المجتمع العائليّ الصغير من الأبوين والأولاد مركزاً للمحبّة والإخلاص، فالابن يبرّ والديه ويسعى في خدمتهما، وهما المحبّان اللذان يلهجان له بالدعاء، حتى تذوى حياتهما وتنطوي شيئاً فشيئاً فيُودَعان الثرى بإعزاز واحترام ودعاء لهما بالغفران، ثمّ تمضي الحياة فيصبح الأبناء أنفسهم آباءً وأمّهات، ثمّ يضعفون ويهرمون فيعاملهم أبناؤهم بما عاملوا به والديهم.
- هذه المقدّمة هي التي يبتدئ بها المرحوم العلامة بحوثه عادة.
- الآيات ٢٢ إلى ٢٥، من السورة ۱۷: الإسراء.
