
بر الوالدين بين المادية والإسلام
بحث يقارن بين برّ الوالدين في الإسلام و بين علاقة الأولاد بوالديهم في التعاليم المادية، و جدير بالذكر أن البحث مستخلص من كتاب نور ملكوت القرآن للعلامة الطهراني قدس سره
بر الوالدين بين المادية والإسلام
11فيا حافظ وإن لم يكن باختيارنا أصل ارتكاب الذنب *** فالزم طريق الأدب وقل: إنما الذنب ذنبي]
ثمّ لم نره بعد ذلك، و حدث أن كنتُ ذاهباً إلى المسجد قبيل الغروب مستقلًّا سيّارة أجرة، فتوقّفت السيّارة عند ضوء المرور الأحمر قرب بوّابة (شميران) عند انتهاء شارع (فخر آباد)، فرأيته مارّاً من هناك، فحيّاني من خلف زجاج نافذة السيّارة وأشار بإصبع السبّابة أن (ها، لقد رأيتُك)، فسلّمتُ عليه بدوري وتحرّكت السيّارة. ولقد قصصت حكايته على بعض الأصدقاء من سكنة بوّابة (شميران) فقالوا إنّهم يعرفونه، وإن والدته توفّيت قبل سنوات، وإنّهم يعرفونه كذلك بتلك الأخلاق والحالات.۱
أمّا الحاجّ السيّد محمّد الكتابجيّ، فقال في إيضاح حاله إنّه بائع جوّال يشتري بعض الكتب منّا بقدر ما يمكنه بيعه، ثمّ يضعها على رصيف الشارع فيبيع ما يحتاجه الناس منها، وهو رجل أمين في معاملته، يأتينا يوميّاً بقائمة الكتب التي يحتاجها فنعدّها له، ثمّ يأتي بثمنها عصراً بعد بيعها، وتنتابه أحياناً حالات تجاهل حتى لا يعرفه أحد، وقد شاهدنا منه حالات عالية.
نعم، كان المراد من ذكر هذه القضيّة بيان النتائج المعنويّة لخدمة الأمّ التي حين تفتح قلبها فإنّ أبواب السماء تُفتح معه؛ قلب الأمّ مستودع الحبّ الإلهيّ وخزينة السرّ الإلهيّ، إن أغلق أغلقت معه أبواب السماء، و إن فتح فُتحت معه.
و قد رأينا الكثير ممّن سلكوا طريق الله تعالى وأمضوا مدّة بالتهجّد وقيام الليل وصيام النهار والرياضات المشروعة، لكنّ معاملتهم مع أبويهم كانت سيّئة فلم يوفقّوا ولم يقطفوا ثمرة جهودهم، أو يحصلوا على حاصل أتعابهم، ولم يحصل لهم كشف باب أو يُفتح لهم بشيء بعد مرور الأعوام المتمادية.
لكنّ أفراداً؛ كهذا الرجل؛ لم ينشغلوا كثيراً بالرياضات والنوافل وترك المكروهات، لكنّهم إثر مراعاة الأمور المتعلّقة بنفوس الناس؛ كترك تسبيب الأذى لمن تحت يدهم و سلطتهم، وتحمّل أذى الناس والصبر عليه، وتوقير ذوي الحقوق من الوالدين والكبار والأولياء وإكرامهم؛ قد نالوا مقامات عالية ودرجات سامية.
نعم، فمن البحث في هذه الآية الكريمة وبيان هذه القضيّة فقد اتّضحت كيفيّة هداية القرآن إلى سُبل السلام، وكيف أعطيت البصيرة واليقين للبائع المتجوّل المعدَم الحامل لبضاعته المزجاة يوميّاً على عاتقه، الجارّ قدميه جرّاً فوق الأرض؛ بحيث يعجز عقلاء العالم عن إدراك أمره، فصار يضحك ساخراً من كلّ هذه التعيّنات والأمور الاعتباريّة، عابراً في هذا العالم بوعي وبصيرة ملكوتيّة، مترحّماً على الناس العميان عن إدراك الحقائق والمعنويّات، معتبراً أنّه يتصدّر عالم الإمكان في مقامٍ صار مسند الشمس العالي متّكأه.
- أمّا الآن، و قد مرّ علي تأليف هذا الكتاب عدّة أعوام، التحق خلالها برحمة الله تعالى، و ارتحل إلى عالم البقاء، فيجدر التنويه باسمه، و يُعرف بالحاجّ مهدي المجنون.
