
التقليد وطلب الدليل.. بين الذم والمدح
التقليد وطلب الدليل.. بين الذم والمدح
3و بالجملة فكانوا لذلك صعبة الانقياد لما يأمرهم به أنبياؤهم، و الربّانيون من علمائهم مما فيه صلاح معاشهم و معادهم (تذكر في ذلك مواقفهم مع موسى و غيره)، و سريعة اللحوق إلى ما يدعوهم المغرضون و المستكبرون منهم.
و قد ابتليت الحقيقة و الحقّ اليوم بمثل هذه البليّة بالمدنيّة الماديّة التي أتحفها إليها عالم الغرب، فهي مبنيّة القاعدة على الحسّ و المادّة، فلا يقبل دليل فيما بعُد عن الحسّ و لا يُسأل عن دليل فيما تضمّن لذّة مادّية حسيّة، فأوجب ذلك إبطال الغريزة الإنسانيّة في أحكامها، و ارتحال المعارف العالية و الأخلاق الفاضلة من بيننا فصار يهدّد الإنسانية بالانهدام، و جامعة البشر بأشدّ الفساد و ليُعلمنّ نبأه بعد حين.
و استيفاء البحث في الأخلاق ينتج خلاف ذلك، فما كلّ دليل بمطلوب، و ما كلّ تقليد بمذموم، بيان ذلك: أن النوع الإنساني بما أنه إنسان إنما يسير إلى كماله الحيويّ بأفعاله الإراديّة المتوقّفة على الفكر، و الإرادة منه مستحيلة التحقّق إلا عن فكر، فالفكر هو الأساس الوحيد الذي يبتني عليه الكمال الوجوديّ الضروريّ فلا بد للإنسان من تصديقات عمليّة أو نظرية يرتبط بها كماله الوجودي ارتباطاً بلا واسطة أو بواسطة، و هي القضايا التي نعلّل بها أفعالنا الفردية أو الاجتماعية أو نحضرها في أذهاننا، ثمّ نحصلها في الخارج بأفعالنا، هذا.
ثم إنّ في غريزة الإنسان أن يبحث عن علل ما يجده من الحوادث، أو يهاجم إلى ذهنه من المعلومات، فلا يصدر عنه فعل يريد به إيجاد ما حضر في ذهنه في الخارج إلا إذا حضر في ذهنه علّته الموجبة، و لا يقبل تصديقاً نظرياً إلاّ إذا اتكئ على التصديق بعلته بنحو، و هذا شأن الإنسان لا يتخطّاه البتّة، و لو عثرنا في موارد على ما يلوح منه خلاف ذلك فبالتأمّل و الإمعان تنحلّ الشبهة، و يظهر البحث عن العلة، و الركون و الطمأنينة إليها فطريّ، و الفطرة لا تختلف و لا يتخلّف فعلها، و هذا يؤدّي الإنسان إلى ما فوق طاقته من العمل الفكري و الفعل المتفرّع عليه لسعة الاحتياج الطبيعي، بحيث لا يقدر الإنسان الواحد إلى رفعه معتمداً على نفسه و متّكئا إلى قوة طبيعته الشخصية فاحتالت الفطرة إلى بعثه نحو الاجتماع و هو المدينة و الحضارة و وزّعت أبواب الحاجة الحيوية بين أفراد الاجتماع، و وُكّل بكلّ باب من أبوابها طائفة، كأعضاء الحيوان في تكاليفها المختلفة المجتمعة فائدتها و عائدتها في نفسه، و لا تزال الحوائج الإنسانية تزداد كميّة و اتساعاً و تنشعب الفنون و الصناعات و العلوم، و يتربّى عند ذلك الأخصائيّون من العلماء و الصناع، فكثير من العلوم و الصناعات كانت علماً أو صنعة واحدة يقوم بأمرها الواحد من الناس، و اليوم نرى كل باب من أبوابه علماً أو علوماً أو صنعة أو صنائع، كالطبّ المعدود قديماً فناً واحداً من فروع الطبيعيّات و هو اليوم فنون لا يقوم الواحد من العلماء الأخصائيين بأزيد من أمر فن واحد منها.
