
التقليد وطلب الدليل.. بين الذم والمدح
التقليد وطلب الدليل.. بين الذم والمدح
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
إن أكثر الأمم الماضية قصّة في القرآن أمّة بني إسرائيل، و أكثر الأنبياء ذكراً فيه موسى بن عمران عليه السلام، فقد ذُكر اسمه في القرآن، في مائة و ستة و ثلاثين موضعا ضعفَ ما ذكر إبراهيم عليه السلام الذي هو أكثر الأنبياء ذكراً بعد موسى، فقد ذُكر في تسعة و ستين موضعاً على ما قيل فيهما، و الوجه الظاهر فيه أن الإسلام هو الدين الحنيف المبنيّ على التوحيد الذي أسّس أساسه إبراهيم عليه السلام، و أتمّه الله سبحانه و أكمله لنبيّه محمّد صلّى الله عليه و آله، قال تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ}۱، و بنو إسرائيل أكثر الأمم لجاجاً و خصاماً، و أبعدهم من الانقياد للحقّ، كما أنّه كان كفار العرب الذين ابتلي بهم رسول الله ـ صلّى الله عليه و آله ـ على هذه الصفة، فقد آل الأمر إلى أن نزل فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}٢.
و لا ترى رذيلة من رذائل بني إسرائيل في قسوتهم و جفوتهم مما ذكره القرآن إلاّ و هو موجود فيهم، و كيف كان فأنت إذا تأمّلت قصص بني إسرائيل المذكورة في القرآن، و أمعنت فيها، و ما فيها من أسرار أخلاقهم وجدت أنّهم كانوا قوماً غائرين في المادة مكبّين على ما يعطيه الحس من لذائذ الحياة الصوريّة، فقد كانت هذه الأمة لا تؤمن بما وراء الحسّ، و لا تنقاد إلاّ إلى اللذّة و الكمال الماديّ، و هم اليوم كذلك. و هذا الشأن هو الذي صيّر عقلهم و إرادتهم تحت انقياد الحس و المادّة، لا يعقلون إلاّ ما يجوّزانه، و لا يريدون إلا ما يرخصان لهم ذلك فانقياد الحس يوجب لهم أن لا يقبلوا قولاً إلا إذا دلّ عليه الحسّ، و إن كان حقاً، و انقياد المادّة اقتضى فيهم أن يقبلوا كلّ ما يريده أو يستحسنه لهم كبراؤهم ممن أوتي جمال المادة، و زخرف الحياة و إن لم يكن حقاً، فأنتج ذلك فيهم التناقض قولاً و فعلاً، فهم يذمّون كل اتباع باسم أنّه تقليد ـ و إن كان ممّا ينبغي ـ إذا كان بعيداً من حسّهم، و يمدحون كلّ اتّباع باسم أنه حظّ الحياة ـ و إن كان ممّا لا ينبغي ـ إذا كان ملائماً لهوساتهم الماديّة، و قد ساعدهم على ذلك و أعانهم عليه مكثهم الممتدّ و قطونهم الطويل بمصر تحت استذلال المصريين، و استرقاقهم، و تعذيبهم، يسومونهم سوء العذاب و يذبّحون أبناءهم و يستحيون نساءهم و في ذلك بلاء من ربهم عظيم.
- الحج- ۷۸.
- البقرة- ٦.
