
تأثير الزمان والمكان على الاجتهاد
بحث أصولي مختصر في مسألة تأثير الزمان والمكان على كيفيَّة الاجتهاد وحركة استنباط الحُكم الفقهي
أهم محتويات المقالة: - مقدّمة في بيان ثبات التشريعات الدينيّة وانطباقها على الفطرة؛ - إشكال قياس التشريع على التكوين وآية {لَا يُسئلُ عَمَّا يَفعَلُ} ، و جوابه؛ - انتفاء التأثير العلّي الفاعليّ للزمان والمكان على الأحكام واستنباطها؛ - عودة اختلاف آراء الفقهاء إلى اختلاف خصائصهم الشخصيّة لا إلى الزمان والمكان؛ - التصوير الأوّل لدخالة الزمان والمكان: التأثير على نحو العلّة الفاعليّة؛ - التصوير الثاني لدخالة الزمان والمكان: التأثير على نحو العلة المعدّة للموضوع؛ - نتيجة البحث وبيان تعريف مختصر للاجتهاد ودور المجتهد فيه.
تأثير الزمان والمكان على الاجتهاد
4وأمّا معنى الآية الشريفة: {لَا يُسۡئَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡئَٔلُونَ}۱، فهو أنّ مسؤوليّة الإجابة على الأفعال هي على عهدة المكلّفين، وليست على عهدة حضرة الحقّ؛ لأنّ مقام المُكلّف في قبال التكليف هو مقام الاختيار والانتخاب، أمّا مقام إرادة حضرة الحقّ عزّ وجلّ ومشيئته وفعله، فلا يقتضي أن يختار سبحانه أحدَ طرفي الوجود والعدم على أساس الأرجحيّة ورعايةِ المصالح والمفاسد النفس الأمريّة، ولا يستلزم انطباق الفعل على أساس تلك المصالح والمفاسد. وإنّما نفس إرادة حضرة الحقّ ومشيئته موجبةٌ ومولّدةٌ ومنشئةٌ للصلاح والرجحان، فالصلاح والفضيلة والخير هي أمورٌ منتزعة ومنبعثة من نفس فعليّة أفعال الحقّ عزّ وجلّ، بعكس أفعال المكلّفين وتصرّفاتهم.
بل إنّ المقصود والمراد مِن انحصار مسألة التشريع والجعل واختصاصها بدائرة وحريم إرادة الله عزّ وجلّ، هو أنّه سبحانه وتعالى هو الأصل والمبدأ والفاعل لعالم الوجود؛ ولذا يجب حقًا وحقيقةً أن تكون حيثيّة المولويّة وأن تكون شأنيّة التشريع منحصرتان باختياره ومشيئته عزّ وجلّ وذلك بناءً لمِلاك العقل والانطباق مع نفس الأمر. وهذه المسألة ليس فيها أيُّ مقتضٍ يقتضي مخالفة التشريع مع التكوين وكيفيّته، بل إنّ مقتضى الحكمة البالغة للحقّ عزّ وجلّ، ومقتضى كونه العلّة الغائيّة لخلق المخلوقات هو نفس ذلك البيان النفيس والشريف الوارد في الكتاب المبين: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ، قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ}.٢ أو الآية الشّريفة: {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ}.٣ أو الآية الشّريفة:{قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَهُوَ يُطۡعِمُ وَلَا يُطۡعَمُۗ قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ}.٤
وبالتالي، فليس هناك إمكانيّة لأن تتخلّف الأحكام عمّا تقتضيه الخلقة والتكوين، وقطعًا ينبغي أن تكون نشأةُ جعلِ الأحكام التكليفيّة والوضعيّة وإنشائها ـ مِن ناحية اعتبارها وجعلها ـ منتزعةً من حيثيّة التكوين ونشأة الخلق؛ وذلك لكي يصبح بإمكانها أن تستوجب حصول الفعليّات والبلوغ إلى غايات العالم.
ومع ملاحظة هذا الأمر، فإنّ السبيل والطريق الذي يمكن أن يكون موصلًا إلى هذه الغاية، والذي يمكن له أن يكون مقدّمةً لحصول هذا الغرض، هو ذلك الطريق الذي لا يتنافى أو يتعارض مع غاية الفعل وغرضه، وكلّ أمرٍ مرضيٍّ للّه عزّ وجلّ وموافق لاختياره، فهو يكتسب قطعًا حيثيّة المُقدِّمِيّة والقدرة على الإيصال.
- سورة الأنبياء (٢۱) ، الآية ٢٣.
- سورة طه (٢۰) ، الآيتان ٤٩ و٥۰.
- سورة هود (۱۱) ، ذيل الآية ٥٦.
- سورة الأنعام (٦) ، الآية ۱٤.
