انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

يتم تشغيل هذا الملف الصوتي
جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة

تأثير الزمان والمكان على الاجتهاد

بحث أصولي مختصر في مسألة تأثير الزمان والمكان على كيفيَّة الاجتهاد وحركة استنباط الحُكم الفقهي

16٬256
الفقه والأصول

أهم محتويات المقالة: - مقدّمة في بيان ثبات التشريعات الدينيّة وانطباقها على الفطرة؛ - إشكال قياس التشريع على التكوين وآية {لَا يُسئلُ عَمَّا يَفعَلُ} ، و جوابه؛ - انتفاء التأثير العلّي الفاعليّ للزمان والمكان على الأحكام واستنباطها؛ - عودة اختلاف آراء الفقهاء إلى اختلاف خصائصهم الشخصيّة لا إلى الزمان والمكان؛ - التصوير الأوّل لدخالة الزمان والمكان: التأثير على نحو العلّة الفاعليّة؛ - التصوير الثاني لدخالة الزمان والمكان: التأثير على نحو العلة المعدّة للموضوع؛ - نتيجة البحث وبيان تعريف مختصر للاجتهاد ودور المجتهد فيه.

تأثير الزمان والمكان على الاجتهاد

3
  • النتيجة:‌ ثبات الدين وعدم معارضته للملاكات الفطريّة

  • ومِن هنا، لمّا كانت الفطرة الإنسانيّة ثابتةً لا تتغيّر عمّا هي عليه في أصلِ الخِلقة، فإنّ الدِّين هو الآخر ثابتٌ لا يتغيّر؛ لأنّه يمثّل الكيفيّة لجميع أفعال المكلّفين وحركاتهم وتكاليفهم، أي: ينبغي للقواعد الكليّة العامّة للدِّين وكذلك ينبغي للفروع أن تكون موضوعةً من أجل تحقيق الكمال والفعليّة وفق الحاجة الفطريّة للبشر بواسطة تلك المِلاكات الثابتة التي لا تتغيّر. ولذا تصرِّح الآية الشّريفة الواردة في سورة الشّورى قائلةً:

  • {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ}۱ 

  • نعم يُمكن وقوع بعض الاختلافات في بعض فروع الأحكام، ففي سورة المائدة يقول تعالى:

  • {وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ}٢ .

  • وقد عبّر أميرُ المؤمنين عليه السلام عن بعثة الأنبياء وحقيقة التّشريع بهذا النحو من التعبير:

  • «واصْطَفَى سُبْحَانَهُ‌ مِنْ‌ وُلْدِهِ‌٣ أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ‌، وعَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ؛ فَجَهِلُوا حَقَّهُ، واتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ، واجْتَالَتْهُمُ٤ ‌الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، واقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ؛ فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، ووَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، ويُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، ويَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، ويُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُول إلخ».٥ ‌

  • ومِن هنا، فلا يمكن أن يتعارض أو يتناقض وجود وبعثة الحجج الإلهيّين ـ الذين يُعبّر عنهم بالعقل المُنفصِل ـ مع المِلاكات الفطريّة للبشر وأصول تلك المباني. وبعبارةٍ أخرى: إنّ انطباق التشريع مع كيفيّة التكوين، هو أصلٌ أوليٌّ وقاعدةٌ أولى مسلّمةٌ مفروغٌ عنها في تدوين الأحكام.٦ 

  • إشكال قياس التشريع على التكوين وآية {لَا يُسئلُ عَمَّا يَفعَلُ} ، و جوابه

  • وأمّا ما يُقال مِن أنّه: كما أنّ قضيّة الخلق والتكوين منوطةٌ بمشيئة الله وإرادته، فكذلك مسألة التشريع ـ والتي هي عبارة عن جعلٍ من الجاعل واعتبارٍ من المعتبر لنحو التكليف ـ هي الأخرى خاضعةٌ لإرادة الله عزّ وجلّ واختياره، وله الحقّ في أن يعتبر ما يشاء كيف يشاء، سواءً أوافق التكوين أم خالفه، وليس لأحدٍ أن يسأل. فهو قولٌ عارٍ عن الصحّة، ولا يرقى لمرتبة التحقيق.

    1. سورة الشورى (٤٢) ، الآية ۱٣. 
    2. سورة المائدة (٥) ، الآية ٤۸. 
    3. والضمير يعود إلى آدم عليه السلام الذي ورد ذكره قبل هذه الفقرة. (م)
    4. اجتالتهم: صرفتهم عن قصدهم. (م)
    5. نهج البلاغة (محمّد عبده) ، ج۱، ص٢٣، الخطبة۱.
    6. [قال المرحوم آية الله العلامة الطهراني رضوان الله عليه في كتابه نظرة على مقالة بسط وقبض نظريّة الشريعة ص ٢٥٤: [المراد من] فطرة الإنسان هو البنية الوجوديّة بما يشمل الجسم و الروح و ذلك الطريق و المسير الذي يوصله إلى غاية الخلقة و هدفها من الكمال المنشود و السعادة المطلقة.
      و المراد بدين الفطرة تلك القواعد و الأحكام المؤثّرة في سير الإنسان باتّجاه سعادته و كماله، و هذه القواعد و القوانين و السنن بالرغم من أنّها أصبحت معتبرة باعتبار الشارع المقدّس، لكنّها كانت قائمة على أساس منطق العقل و وصول الإنسان إلى درجة الإنسانيّة، لا على أساس منطق الحسّ و الشهوة الذي يهبط به إلى مرتبة الحيوانيّة و البهيميّة.
      وقال رضوان الله عليه في كتابه معرفة الإمام، ج‌٢، ص: ۷٣: الدين الذي جاء به رسول الله هو دين الحقّ الذي لايأتيه العبث و الباطل، و يستطيع أن يلبّي حاجات الناس جميعهم؛ و يقودهم نحو الكمال الحقيقيّ و التوحيد المطلوب.
      الإسلام دين التوحيد؛ إذ إنّ كافّة تعاليمه الأخلاقيّة و العلميّة نزلت على أساس التوحيد؛ و مُقَنّنها و مشرّعها هو التوحيد. و وضعت هذه‌
      القوانين للوصول إلى التوحيد. و ما نزلت إلّا على أساس التوحيد، و إذا ما طُبقّت، فهي تسمو على أساسه أيضاً.
      و كما نرى في القوانين السائدة على العالم، و كذلك في الأنظمة الداخليّة للأحزاب أنّ تعاليم خاصّة قد انبثقت من روح الحزب و تمثّل أفكاره و آراءه. و لو تمسّك بها أحد، فإنّها ستقوده نحو آراء أصحابها و أفكارهم، فكذلك الإسلام فإنّه انبثق من التوحيد. و التوحيد يعني أن يرى أنّ جميع الكائنات بلا استثناء تخضع لعلم الله و قدرته و تأثيره، و أنّ الله هو المؤثّر في جميع عوالم الوجود. و أنّه لاقيمة و لا استقلال لأيّ أحد في وجوده حيال الخالق جلّ شأنه. فقد وضعت التعاليم الإسلاميّة كلّها على أساس هذا المبدأ. و الإنسان المسلم المتمسّك بهذا القانون يرى نفسه مرتبطاً بعالم الوجود كلّه، غير مُعْرِضٍ عن أحد. يألف الجميع و يأنس معهم، و يلتذّ في معاشرته للناس، و صلة الأرحام، و عيادة المرضى وقضاء حوائج الناس، و الإلفة مع الفقراء و المساكين، و بذل الأموال من أجل راحة الآخرين و رفاههم، و تعاليم أخرى كثيرة تربط الإنسان مع الكائنات جميعها، و كأنّه قطعة واحدة لا تقبل الانفصال عن مصنع الوجود.
      وقال مؤلّف هذه السطور آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ حفظه الله في كتابه نوروز در جاهليت واسلام (النيروز في الجاهلية والإسلام) ص ٣٥: ولقد التفت هذا الحقير خلال السنوات الطوال التي تشرّف فيها بخدمة وصحبة العالم بالله وبأمر الله والاستفاضة من رشحات نفسه القدّوسية حضرة الوالد المعظّم العلاّمة السيّد محمد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (أفاض الله علينا من شآبيب أنواره القدسيّة)، وتنبّه إلى أنّ: جميع الأحكام والسنن الإلهيّة الصادرة من منبع الوحي ينبغي أن تكون مشتملة على واقعيّة وحقيقة معرفيّة سامية تهدف إلى إصلاح النفس وتجرّدها عن الكثرات الآفاقيّة والأنفسيّة ورقيّ العقل الإنساني في المرتبة، سواءً اتّضحت لنا هذه الدرجة من المعرفة أو خفيت عنّا، وأنّ الله تعالى لم يُشرّع أيّ حكم لغوًا وعبثًا واستنادًا فقط لمسألة المولويّة، بل إنّ كلّ حكم صدر من مبدإ التشريع وصار منجّزًا وفعليًّا بالنسبة للإنسان ـ سواءً كان هذا الحكم إلزاميًّا كالوجوب والحرمة أو كان كالمستحبّ والمكروه ـ فإنّه يتّصف قطعًا بتلك الحيثيّة الربطيّة القائمة بين العبد وبين مراتب فعليّته، ويكون ناظرًا للمناسبة الدائرة بينهما... ]
/ 380