تتحدّث هذه المقالة عن ظاهرة عيد النيروز، وتأثيره على ثقافة الشعب الإيرانيّ وعاداته وتقاليده من جهة. كما تتناول من جهة أخرى نظرة الإسلام إلى هذا العيد. وقد بحثت عن العديد من المسائل المرتبطة بهذا الموضوع ضمن أربعة فصول وخاتمة. وبعد دراسة المعنيين اللغوي والاصطلاحي لمفردة النيروز، سيظهر أنّ تحديد بداية السنة كان محلّ خلاف بين العلماء عبر مختلف العصور. ومن جهة أخرى يرى الشيعة اعتمادًا إلى العقل والنقل، أنّ ما يُعترف به ويمضى هو ما ينتسب إلى المعصومين عليهم السلام وما ينسجم مع أهداف الشريعة ومبانيها لا غير، وأنّ السنن والأعياد الإسلاميّة لا تشذّ عن هذا القانون؛ والنيروز لا يحظى باعتراف من الأئمّة المعصومين. والروايات الواردة في هذا المجال ـ لا سيّما تلك المنقولة عن المعلّى بن خنيس ـ موضوعة، وسيتمّ استعراض جميع الأدلّة المقامة على إثبات النيروز أعمّ من الروائيّة والأصوليّة والفقهيّة والعقليّة والاجتماعيّة و... ، ونقدها وتقديم إجابات قاطعة وواضحة عليها.
عيد النيروز في منظار العقل والشرع
5النقطة الأولى: أنّ النيروز ـ بصفته ظاهرة تكوينيّة وحقيقة خارجيّة ـ هو عبارة عن نزول الشمس في برج الحمل، حيث يجُعل ذلك أساسًا لبداية السنة الشمسيّة؛ إذ إنّ التاريخ الميلادي هو أيضًا تاريخ شمسي، غير أنّه يبدأ في الأوّل من شهر كانون الثاني (يناير) والمصادف للحادي عشرمن شهر (دي)، ويكون معيار الحركة فيه هو دوران الأرض حول الشمس، وليس دوران القمر حول الأرض؛ فلا علاقة لهذا الأمر بالأمور الاعتباريّة والعادات والتقاليد والتوهّمات.
الاختلاف حول سبب تسمية النيروز وحول زمانه وعدم وجود مبرّر عقلائي لجعله بداية للسنة
وأمّا النقطة الثانية، فترتبط بسبب اشتهار تسمية هذا اليوم بالنيروز: فاعتبر البعض أنّ وجه هذه التسمية راجع إلى خلق السماء في هذا اليوم، حيث كانت الكواكب السبعة بأجمعها في أوج مداراتها، وكان أوج كلّ منها في نقطة أوّل برج الحمل، فأُمرت الكواكب بالحركة والدوران في هذا اليوم الذي شهد أيضًا خلقة آدم عليه السلام؛ ولهذا السبب، فقد سُمّي بالنيروز.
[وهناك احتمالات أخرى كجلوس جمشيد على العرش في آذربايجان واحتفال الناس بذلك وما شابه، وبالتأمّل في هذه الوجوه الأسطوريّة التي ذكرت۱] يتبيّن أنّ علّة اختيار النيروز كأوّل يوم للسنة من قبل الشعوب الإيرانيّة القديمة لا يتوفّر على أيّ دليل عقلائي يعتنى به، وأنّ تحويل السنة الجديدة ـ والذي هو عبارة عن اقتران الشمس بأوّل برج الحمل ـ قد تمّ تدوينه من قبل علماء الهيئة قبل عدّة قرون من ظهور الإسلام. كما أنّ النيروز كان قبل العصر الساساني في أوّل الربيع، ثمّ بدأ ينتقل على عهد الساسانيّين عبر مختلف الفصول؛ ولهذا، فإنّ النيروز كان مصادفًا في السنة الأولى من التاريخ اليزدجردي للسادس عشر من شهر حزيران الرومي؛ فكان في أوائل فصل الصيف تقريبًا، إلى أن صار في حدود سنة ٣٩٢ هجريّة قمريّة أوّل الحمل، واقترن في سنة ٤٦۷ ببرج الحوت؛ أي قبل سبعة عشر يومًا من نهاية فصل الشتاء، حيث تمّ في هذه السنة تدوين التقويم الجلالي بأمر من السلطان السلجوقي جلال الدين ملك شاه، وتثبيت النيروز عند نزول الشمس في برج الحمل؛ ومنذ ذلك التاريخ ـ أي سنة ٤٦۷ هجريّة قمريّة ـ صارت السنة الشمسيّة الحقيقيّة ٣٦٥ يومًا و٥ ساعات و٤۸ دقيقة و٤٦ ثانية.
- [انظر المناقشات المفصّلة لذلك في كتاب نوروز در جاهليت واسلام، ص ٦٢ ـ ٦٤].

