تتحدّث هذه المقالة عن ظاهرة عيد النيروز، وتأثيره على ثقافة الشعب الإيرانيّ وعاداته وتقاليده من جهة. كما تتناول من جهة أخرى نظرة الإسلام إلى هذا العيد. وقد بحثت عن العديد من المسائل المرتبطة بهذا الموضوع ضمن أربعة فصول وخاتمة. وبعد دراسة المعنيين اللغوي والاصطلاحي لمفردة النيروز، سيظهر أنّ تحديد بداية السنة كان محلّ خلاف بين العلماء عبر مختلف العصور. ومن جهة أخرى يرى الشيعة اعتمادًا إلى العقل والنقل، أنّ ما يُعترف به ويمضى هو ما ينتسب إلى المعصومين عليهم السلام وما ينسجم مع أهداف الشريعة ومبانيها لا غير، وأنّ السنن والأعياد الإسلاميّة لا تشذّ عن هذا القانون؛ والنيروز لا يحظى باعتراف من الأئمّة المعصومين. والروايات الواردة في هذا المجال ـ لا سيّما تلك المنقولة عن المعلّى بن خنيس ـ موضوعة، وسيتمّ استعراض جميع الأدلّة المقامة على إثبات النيروز أعمّ من الروائيّة والأصوليّة والفقهيّة والعقليّة والاجتماعيّة و... ، ونقدها وتقديم إجابات قاطعة وواضحة عليها.
عيد النيروز في منظار العقل والشرع
2أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم
بسمِ الله الرحمنِ الرحيم
وصلَّى الله على سيِّدنا ونَبيِّنا أبي القاسم محمّدٍ
اللهمَّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد
وعلى آله الطيِّبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائِهم أجمعينَ
مقدّمة
اهتمت جميع المدارس الإلهيّة والأديان السماويّة ـ لا سيّما الشريعة الإسلاميّة المقدّسة ـ برعاية المبادئ الأخلاقيّة، ونظرت إليها كأصول مسلّمة؛ يقول الرسول الأكرم: «بُعثتُ لأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأَخلاَقِ».۱ وقد بذل عظماء الدين من الأنبياء والمعصومين عليهم السلام، وحتّى من العرفاء الإلهيّين والعلماء الحقيقيّين مساعيَ جمّةً وجهودًا بالغة في سبيل بيان المسائل الأخلاقيّة، علاوةً على توضيح الأحكام والتكاليف الشرعيّة المفروضة.
وفي سبيل تكميل النفس والخروج بها من عوالم الوهم والخيال، بنى الإسلام بنيانه ـ بعد أداء الفرائض واجتناب النواهي ـ على أساس من مراعاة الموازين الأخلاقيّة، فاستبدل موتَ الضمير والوجدان، وغلبةَ البهيميّة والحيوانيّة، والتخلّيَ عن التفكير الإنساني الراقي والأخلاقِ الرفيعة وتكاملِ النفس، بتنمية قوى العقل والفطرة.
ولم تنزل الشرائع والأديان الإلهيّة حين نزلت إلا لتحقيق ذاك الهدف؛ فإذا الإنسان ـ بمساعدة العقول المنفصلة وتربية الطاهرين المصطفين ـ قادرٌ على الوصول إلى المبادئ السامية للفطرة والتوحيد؛ آمنٌ من الانغماس في تلك الأخطار والمهالك، تنشقُ روحه العبير، و تنشط نفسه في آفاق عوالم القدس.
ومن هنا، فكلّما ابتعدنا عن أوامر الشرع المبين وتعاليمه، كلّما ازدادت غلبة الهوى وحكومة العواطف وسلطة التخيّلات والتوهّمات على نفوسنا وقلوبنا، وابتعدنا أكثر عن الموازين العقليّة والمنطقيّة، بلا فرق في ذلك بين العالم والجاهل، وبين رجل الدين وغيره، وبين المطّلع وغيره؛ إذ إنّنا جميعًا نمتلك نفوسًا وتخيّلات وتوهّمات، ولم يُعطَ لأيّ منّا ضمان لنيل السعادة والأمن من خُدع الشيطان وحبائله، وليس هناك مَن ساحتُه منزّهة عن الخطإ والاشتباه والعصيان والأنانيّة، حيث إنّ الشيطان يُرافق كلّ إنسان ويُسايره في طريقه ومساره المناسب له.
وبشكل عامّ، فإنّ ميزان ومعيار كلّ عادة قيّمة وسنّة مرضيّة في الأديان الإلهيّة ـ والذي يكون سببًا في تحسينها أو تقبيحها ـ هو بعدها العقلانيّ؛ وعليه، فإنّ العمل على إحياء أيّة عادة أو تقليد من تقاليد التراث هو ليس في حدّ نفسه مطلوبًا ومرضيًّا، بل كثيرًا ما يكون معارضًا لموازين الشرع ومبادئ مدرسة التوحيد.
- المتقي الهندي، كنز العمّال، ج۱۱، ص ٤٢۰، ح ٣۱٩٦٩.

