أهم محتويات المقالة: - لكلّ عبادة آثارها التكوينيّة الخاصّة التي لا يُمكن تقديمها أو تأخيرها؛ - اعتماد الرسول الأكرم والأئمّة عليهم السلام على الرؤية بالعين المجرّدة فقط؛ - عدم إطلاق عنوان الرؤية الشرعيّة على جميع أنواع الرؤية؛ - تأثير الكشوفات والتقنيات العلميّة على بعض الأحكام الشرعيّة (نظير حرمة الاستفادة من الكحول)؛ - تأثير مقتضيات الحكم على وظيفة المكلّف (مثال تحديد القبلة)؛ - عدم تغيّر مقتضيات الحكم في مسألة رؤية الهلال.
رؤية الهلال: بالعين المجرّدة أم المسلّحة
9ومن أمثلة ذلك: الاستفادة من الكحول؛ فالكحول في حدّ نفسه نجس، سواءً في زمان رسول الله أو في زمان الأئمّة عليهم السلام أو في زماننا بدون أيّ فرق في ذلك، فهو نجس على كلّ حال، ولكن ينبغي الانتباه إلى أنّ الكحول النجس هو الكحول المائع بالأصالة، أي الذي يكون في أصله سائلاً؛ نظير الذي يُصنع من العنب فإنّه نجس، وأمّا الذي يُخمّرونه (كما يفعلون بالخشب)، فليس بنجس.
حسنًا، بعد أن اكتشفنا أنّه نجس، فإنّنا نعلم شرعًا بأنّ النجس لا تجوز الاستفادة منه؛ فلا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا إهداؤه، والمعاملة التي تتمّ به باطلة، والمال المأخوذ مقابله حرام وسحت، وقد كانت هذه المسألة صحيحة في الزمان الماضي؛ وذلك أنّه في زمان رسول الله ـ وكذلك الأمر في الأزمنة اللاحقة ـ ما هي الفائدة التي يمكن أن يستفيدوها من الكحول؟!
واستمرّ ذلك حتّى زمان زكريّا الرازي الذي اكتشف بعض خواصّ الكحول، ومنها قدرته على التعقيم وأمثال ذلك. بعد حصول ذلك، يأتي الفقيه هنا ويتساءل: ما هو السبب في الحكم بحرمة الاستفادة من الكحول: هل لأنّه نجس، أم لأنّه لا توجد له أيّة فائدة عقلائيّة؟! حسنًا، في ذلك الزمان لم يكن لديهم اطّلاع [على خصائص الكحول]، ولم يكونوا يستفيدون منه، وكانت وسائل التعقيم التي يستعملونها أمورًا أخرى؛ فمثلاً: كانوا يحرقون الخشب بطريقة خاصّة ثمّ يستفيدون من الرماد بنحو معيّن، أو كانوا يستعملون بعض الأعشاب المضادّة للبكتريا، وهي موجودة حتّى الآن، وبعض أهل القرى يستعملونها، فمثل هذه الأعشاب التي لها خاصّية المضاد الحيوي موجودة في بعض الجبال. وحتّى العسل له مثل هذه الخصوصية، فالعسل الطبيعي من الأمور التي لها تأثير المضادّ الحيويّ، ويمكن الاستفادة منه عند حصول جرح أو ما شابه، ويُقال: إنّ تأثيره قويّ جدًا إلى درجة أنّ معالجته لموضع الجرح أقوى من تأثير الأدوية الكيميائيّة الحديثة، وهو أمرٌ مجرّب. وأمّا بالنسبة للكحول، فلم يكن أحدٌ قد توصّل إلى توفّره على هذه الخاصّية.
فعندما يدقّق الفقيه النظر هنا، يرى أنّ تحريم الاستفادة من الكحول الذي ورد في الشرع إنّما كان لأجل افتقاده لأيّ استعمال مفيد، وأمّا لو صار لهذا الكحول نفسه فائدة معقولة، فلِمَ يكون استعماله مورد إشكال؟! أفهل إنّ استعمال الكحول محصور في تناوله؟! كلاّ، بل يمكن الاستفادة من الكحول في التعقيم مثلاً؛ فهم الآن يستعملونه في تعقيم غرف العمليّات، وهم يصرّون على تعقيمها بالكحول، وبعضهم يصرّ على أن يكون ذلك بكحول العنب خصوصًا، حيث كان صديقنا الدكتور سجّادي ـ مثلاً ـ يقول: «لابدّ أن تعقّم غرفة العمليّات التي أجري فيها عمليّات جراحة العيون بكحول العنب فقط، وأنا لا أقبل بأيّ شيء آخر أصلاً ولا أؤيّده!».

