أهم محتويات المقالة: - لكلّ عبادة آثارها التكوينيّة الخاصّة التي لا يُمكن تقديمها أو تأخيرها؛ - اعتماد الرسول الأكرم والأئمّة عليهم السلام على الرؤية بالعين المجرّدة فقط؛ - عدم إطلاق عنوان الرؤية الشرعيّة على جميع أنواع الرؤية؛ - تأثير الكشوفات والتقنيات العلميّة على بعض الأحكام الشرعيّة (نظير حرمة الاستفادة من الكحول)؛ - تأثير مقتضيات الحكم على وظيفة المكلّف (مثال تحديد القبلة)؛ - عدم تغيّر مقتضيات الحكم في مسألة رؤية الهلال.
رؤية الهلال: بالعين المجرّدة أم المسلّحة
5اعتماد الرسول الأكرم والأئمّة عليهم السلام على الرؤية بالعين المجرّدة فقط
وهنا يأتي السؤال: متى كان يأتي أوّل الشهر في زمان رسول الله؟ وهل كان أوّل الشهر هو ذاك الذي يتحقّق بالرؤية عن طريق العين المجرّدة، أم عن طريق التلسكوب والطائرة؟ ففي ذلك الزمان، لم تكن هناك طائرة، ولا تلسكوب، ولا منظار ذي متر أو مترين! بل كانوا يتوسّلون بنفس هذه العين الظاهريّة، غاية الأمر أنّه ينبغي أن تكون عاديّة وليست ضعيفة أو مريضة، وكانوا يقولون: «اذهبوا بنفس هذه العين العاديّة فوق مرتفع أو جبل، وإلى مكان لا تكون فيه غيوم ولا موانع، بل يكون الجوّ فيه صافيًا، وانظروا للأفق؛ فحينما يرتفع الهلال عن الأفق بسبعة أو ثمانية درجات، فإنّه يكون قابلاً للرؤية».
ولا يخفى أنّه في بعض الحالات، قد لا يُرى الهلال حتّى مع ارتفاعه، حيث يُقال هنا بأنّه يكفي أن يأتي الناس من النواحي والأطراف ويشهدوا على رؤيتهم للهلال؛ ولهذا، في الأزمنة السابقة، كانوا يُشاهدون الهلال عادةً في الليلة الأولى.
ثمّ إنَّه عندما كان يُشكّ بالأمر، كانوا يقومون بإحياء ليلتين، وأتذكّر أنَّه حينما كان يُشكّ في ذلك الزمان في كون [ليلة القدر] هذه الليلة أو لا، كانوا يلجؤون إلى إحياء ليلتين من أجل إدراك فيوضات ليلة القدر. وأذكر كيف أنَّ المرحوم العلاّمة كان قد حضر المسجد ستّة ليالٍ لإحياء ليالي القدر في إحدى السنوات عندما حصل لنا شكّ؛ فأحيى الليلة التاسعة عشرة مرّتين، وكلاًّ من الليلة الحادية والعشرين والثالثة والعشرين مرّتين حتّى يتمكّن من إدراك ليلة القدر؛ وذلك لكون ليلة القدر إمّا أن تكون هذه الليلة أو الليلة التي بعدها، ولا يمكننا القول: لقد جعلنا هذه الليلة ليلة قدرٍ لكم!
وعليه، فإنّ الشهر الذي كان يتمّ اعتباره في زمان رسول الله والأئمّة عليهم السلام هو ذلك الشهر الذي كانت الرؤية فيه تتحقّق بالعين المجرّدة لا بواسطة التلسكوب؛ فلم يكن هنالك جهاز تلسكوب في ذلك الوقت؛ ولهذا، فقد كانوا يعتمدون في رؤية الهلال على هذه العين، ويُعوّلون عليها في ذلك. فكانوا يُحيون الليلة التاسعة عشرة والليلة الحادية والعشرين والليلة الثالثة والعشرين، ويلجؤون إلى تحديد يوم عيد الفطر عن طريق الرؤية بهذه العين؛ وكذا الأمر بالنسبة ليوم عرفة وعيد الأضحى؛ وبذلك يتمّ ترتيب أيّام الشهر عندهم.. أتلاحظون؟ كلّ ذلك بواسطة نفس هذه العين الظاهريّة.

