أهم محتويات المقالة: - لكلّ عبادة آثارها التكوينيّة الخاصّة التي لا يُمكن تقديمها أو تأخيرها؛ - اعتماد الرسول الأكرم والأئمّة عليهم السلام على الرؤية بالعين المجرّدة فقط؛ - عدم إطلاق عنوان الرؤية الشرعيّة على جميع أنواع الرؤية؛ - تأثير الكشوفات والتقنيات العلميّة على بعض الأحكام الشرعيّة (نظير حرمة الاستفادة من الكحول)؛ - تأثير مقتضيات الحكم على وظيفة المكلّف (مثال تحديد القبلة)؛ - عدم تغيّر مقتضيات الحكم في مسألة رؤية الهلال.
رؤية الهلال: بالعين المجرّدة أم المسلّحة
4وذكرى شهادة الإمام عليه السلام تفترق عن ذكرى ولادته؛ إذ لكلّ واحدة مميّزاتها الخاصّة، لا أنّهما مشتركتان في الخصائص. ومن باب المثال أيضًا، فإنّ يوم عاشوراء مستقلّ عن يوم عيد الغدير، ولهما نوعان من العناية وشكلان من الفيض ونوعان من البركة، وكلّ واحد منهما ضروري بالنسبة للإنسان.
وبناءً عليه، ينبغي أن يكون واضحًا بالنسبة للناس أنّ اليوم الأوّل من شهر رمضان هو أيّ يوم، وهل هو اليوم أو غدًا.. لماذا؟ لأنّه لدينا في شهر رمضان مجموعة من الأيّام الخاصّة والليالي المهمّة، والتي من ضمنها الليلة الثالثة والعشرون؛ وهي ليلة القدر، والليلة التي تتنزّل فيها الملائكة، ويتحدّد فيها تقدير السنة اللاحقة؛ ولهذا، لدينا في هذه الليلة: عليك أن تقوم بهذه الأعمال، وتعمد إلى هذه المراقبة! فليست المسألة تافهة حتّى نقول: يا سيّدي، لنجعل هذه الليلة ليلةَ القدر! لأنّه ليس بأيدينا أن نجعل ليلة القدر في هذه الليلة أو نجعلها في الأسبوع القادم.
أذكر بأنّ أحد نوّاب المجلس في زمان المملكة السابقة ـ ولا يحضرني الآن ما هو اسمه ـ قد اقترح بأن يستفيد موظّفو الدولة من العطلة الصيفيّة لأجل أداء مناسك الحجّ، حيث يكون بوسعهم الذهاب إلى مكّة في فترة التعطيلات! يا عزيزي، إنّ العطلة الصيفيّة لها حسابها الخاصّ بها، وهي مخصّصة للتنزّه والذهاب إلى الأمكنة التي اعتدت على الذهاب إليها! وأمّا الحجّ، فلا علاقة له بالصيف، بل هو مرتبط بذي الحجّة؛ أي إنّ ذلك الشخص لم يكن يُدرك بأنّ العبادات لها وقتها المحدّد الذي تُؤدّى فيه، وإلاّ لا تُحصّل منها أيّة فائدة.
فليلة القدر في شهر رمضان المبارك هي الليلة الثالثة والعشرون، وهي ليلة واحدة، غاية الأمر أنّ الكرة الأرضيّة تدور في امتداد هذه الليلة، حيث إنّ الليل لا يعمّ كلّ الكرة الأرضيّة في وقت واحد، بل في كلّ دقيقة من دقائق الأربعة وعشرين ساعة، يحلّ الغروب في مكان والصبح في مكان آخر من الكرة الأرضيّة؛ لأنّها في حالة دوران؛ فحينما يمرّ يوم وليلة على الكرة الأرضيّة، تتحقّق ليلة القدر؛ وفي هذه الحالة، ما هي هذه الليلة؟ وفي أيّ ليلة تكون؟ فمع الأخذ بعين الاعتبار للقرائن والشواهد الدالّة على هذه المسألة، فإنّها تكون في الليلة الثالثة والعشرين؛ وحينئذٍ، هل بإمكاننا القول: لنجعل يا سيّدي الليلة الخامسة عشر هي ليلة القدر بدلاً عن الليلة الثالثة والعشرين؟! ليس الأمر بأيدينا، وليلة القدر خارجة عن أيدينا، وهي بيد الله تعالى، وهو تعالى قد جعلها في مثل هذه الليلة؛ فبعد مرور إثني وعشرين ليلة من ليالي شهر رمضان، تكون الليلة الثالثة والعشرين هي ليلة القدر بتلك الخصائص والآثار.

