أهم محتويات المقالة: - مراتب المعرفة والمرتبة المرادة في معرفة الله؛ - معنى معرفة الله بالله وانحصار طريق معرفته بها؛ - كيف يمكن معرفة الله بالله؟ وكيف نفسّر الأخبار الدالة على استحالة معرفة الله؟؛ - أقوال العلماء في الجمع بين ما دلّ على استحالة معرفة الله وما دلّ على إمكانها؛ - قابليّة الإنسان لمعرفة الله لا متناهية؛ - نتيجة الجمع بين الأخبار الدالة على استحالة معرفة الله والدالة على إمكانها.
هل يمكن أن نعرف الله؟
9شرط تحقيق معرفة الله إزالة حجاب النفس بجهادها
أمّا من حيث الفعليّة وتحقّق تلك القابليّة وصيرورة تلك الحياة و الصفات و الأفعال هي المدار والمركز، فهو منوط بالحركة وجهاد النفس وطيّ الطريق إلى الله سبحانه.
فإذا ابتعدنا في مسيرنا عن جلاله و نأيْنا بأنفسنا عن مسلكه، و خُضنا في هوى النفس الأمّارة بالسوء، و أعْتَمتِ الطبيعة و الكثرة أبصارنا، و أغشى أدْنَى العَوَالِم نواظرنا، و لم نُعِر أهمّيّة تُذكَر لنور الوجود و البساطة في الإطلاق و التجرُّد، و صار جلُّ سعينا هو الاستمرار في السّير في طريق الابتعاد و العزلة، ففي هذه الحالة علينا أن نعترف أنّنا لم نعرف الله إلّا النزر اليسير، و أنّنا هدرنا قابليّاتنا و إمكاناتنا تحت شعار الجهل و الحماقة و الكسل، لأنّنا، و مع الأسف، لم ننتفع من وجود الآصرة بيننا و بين خالقنا على الوجه الصحيح.
و أمّا إذا صعد البشر سُلّماً أفضل، و رقي فيه درجة أعلى، و أبصر العالَم ببصيرته من زاوية أوسع، وجهِد في إصلاح نفسه مُخلّصاً إيّاها من الكثرات و الموجودات المختلفة و المتفرّقة و المتشتّتة والمتبدّلة، فيكون بذلك قد عرف الله عزَّ و جلّ بنفس ذلك المقدار، لأنّ الله العليّ الأعلى مثله كمَثَل الشمس الساطعة في كبد السماء التي تُضيء العوالم كلّها، فلو أطرقنا برؤوسنا إلى الأسفل وأرخينا عيوننا إلى الأرض، فإنّنا لن نرى إلّا نور تلك الشمس في هذا الرفّ أو ذاك، أو في هذا البستان أو ذاك. و أمّا إذا رفعنا رؤوسنا قليلًا إلى الأعلى و تخلّلت أبصارنا الغيوم و اخترقت ركام السحاب، فلا ريب في أنّنا سنرى قدراً أكبر من نور الشمس لم نكن لنراه و نحن مطرقي الرؤوس، وسنبصر الأفق بقعة منيرة و مكاناً ساطعاً بسبب ذلك النور. و لو عرجنا من هناك إلى مرتبة أعلى فسيكون بإمكاننا مشاهدة قرص الشمس المتوهِّج المُشِعِّ بنوره على وجه الأرض. و لو حالفنا الحظُّ و قدرنا على الصعود أكثر فأكثر فإنّنا سنرى بعض الكريّات التي تُدعى بالكواكب و السيّارات في منظومتنا الشمسيّة. و إن استمرّينا في العلوّ حتى اقتربنا من قرص الشمس فإنّنا سنطّلع على خصوصيّات أكثر لها كلّما سنحتْ لنا الفرصة من الاقتراب نحوها أكثر.

