أهم محتويات المقالة: - مراتب المعرفة والمرتبة المرادة في معرفة الله؛ - معنى معرفة الله بالله وانحصار طريق معرفته بها؛ - كيف يمكن معرفة الله بالله؟ وكيف نفسّر الأخبار الدالة على استحالة معرفة الله؟؛ - أقوال العلماء في الجمع بين ما دلّ على استحالة معرفة الله وما دلّ على إمكانها؛ - قابليّة الإنسان لمعرفة الله لا متناهية؛ - نتيجة الجمع بين الأخبار الدالة على استحالة معرفة الله والدالة على إمكانها.
هل يمكن أن نعرف الله؟
6إذن، وبعد ثبوت إمكان معرفة الله بل ووقوعها في الخارج، علينا والحال هذه، أن نحمل الأخبار التي تؤكّد على عدم إمكانيّة رؤية الله عزّ و جلّ على درجات المعرفة غير التامّة، درجات المعارف الجزئيّة التي تحدث للناس كمعرفة الذات و الحقيقة عن طريق شبح أو صورة حسب تصوّرهم، فيريدون بذلك التوصّل إلى كيفيّة الله و كمّيّته و شكله وصفاته عزّ و جلّ، ويجعلون تلك الصورة بمثابة آية للّه ذي الآية.
المحاكمة بين القولين وبيان الحق
مقدّمة في بيان قاعدة عدم إمكان معرفة شيء لشيء إلا بما هو منه فيه
ولمحاكمة هاتين الطائفتين وبيان الحق في هذا الموضوع بحول الله و قوّته، نجد أنفسنا مضطرّين إلى بيان مقدّمة، ومع كون هذه المقدّمة بمثابة قانون علميّ و قاعدة حِكَميّة و فلسفيّة، إلّا أنّنا سنسعى جاهدين في بيانها بصورة مبسّطة ليمكن فهمها:
حتّى يكون بإمكان أيّ موجود الحصول على معرفة و عِلم بموجود آخر، لا بدّ من وجود شيء من ذلك الموجود (الثاني) في هذا الموجود (الأوّل). إنّنا نرى الكثير من الموجودات في العالَم من حولنا، منها الإنسان، و الحيوان على مختلف صوره و أشكاله و آثاره و خواصّه، فالبقر والغنم والإبل و الطير و البطّ، كلّ هذه يختلف بعضها عن بعض.
و هناك الشجر و الحجر و الماء. و هي كلّها موجودات كثيرة مختلفة، و الكثرة تستلزم ذلك الاختلاف و التنوع الموجود فيما بينها.
فالشجرة كيان منفصل عن الحيوان، لأنّها تختلف و تتميّز عنه، و إلّا لكانَ الاثنان شيئاً واحداً. و زيد غير عمرو، و الوالد ليس بالولد. فلو كانا متشابهين تماماً في جميع الجهات لما كانا اثنين بل كانا واحداً. و هذه المقدّمة مفهومة و لا تحتاج إلى نقاش.
و الآن، و بعد أن علمنا أن في هذا العالَم و هذه الدنيا كلّ تلك الكثرات، كيف يمكن لشيء ما أن يتوصّل إلى معرفة شيء آخر و العلم به؟! فمثلًا، كيف يعلم الخروف بوجود بقرة ها هنا، و يتوصّل الجَمَل إلى العلم بأنّ الحصان حيوان لا عداوة له معه؟ و يفهم الثعلب أن الأسد عدوّ لدود له، ويدرك الخروف أيضاً أن الذئب عدوّه و قاتله، و هكذا الحال مع جميع أصناف الحيوانات؟

