أهم محتويات المقالة: - مراتب المعرفة والمرتبة المرادة في معرفة الله؛ - معنى معرفة الله بالله وانحصار طريق معرفته بها؛ - كيف يمكن معرفة الله بالله؟ وكيف نفسّر الأخبار الدالة على استحالة معرفة الله؟؛ - أقوال العلماء في الجمع بين ما دلّ على استحالة معرفة الله وما دلّ على إمكانها؛ - قابليّة الإنسان لمعرفة الله لا متناهية؛ - نتيجة الجمع بين الأخبار الدالة على استحالة معرفة الله والدالة على إمكانها.
هل يمكن أن نعرف الله؟
4إذن، يجب معرفة الله عن طريق الله لا غير الله ممّن أساس وجوده وخِلقته و تسويته و حقيقته وظهوره مأخوذ من الله و مبنيّ على وجوده.
في كلام للإمام السادس (عليه السلام) في مقطع من حديث سدير... قيل له: فكيف سبيل التوحيد؟
قال: باب البحث ممكن، و طلب المخرج موجود. إن معرفة عين الشاهد قبل معرفة صفته، ومعرفة صفة الغائب قبل معرفة عينه.
قيل: و كيف يعرف عين الشاهد قبل صفته؟
قال: تعرفه و تعلم علمه، و تعرف نفسك به، و لا تعرف نفسك بنفسك من نفسك، و تعلم أنّ ما فيه له و به، كما قالوا ليوسف: {إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخي}۱، فعرفوه به و لم يعرفوه بغيره و لا أثبتوه من أنفسهم بتوهّم القلوب.٢
كيف يمكن معرفة الله بالله؟ وكيف نفسّر الأخبار الدالة على استحالة معرفة الله؟
وهنا تبرز مسألة أخرى إلى حيّز الوجود، و هي أنّه كيف يمكن معرفة الله بواسطة الله نفسه سبحانه؟ و ما العمل بشأن كلّ تلك الأخبار الدالّة على استحالة معرفة الإنسان للّه تعالى أو الوقوف على كُنه ذاته المقدّسة٣؟
يمكن أن يعرف الله عن طريق آثاره الدالّة عليه، و مع ذلك فإنّ تلك المعرفة لا يمكن أن تكون تفصيليّة، بل إجماليّة. فالأرض و السماء و الخُضرة و الماء و الموجودات من الذرّة حتى المجرّة، ومن البرغوث و البقّة حتى الفيل، تظهر وجود الله سبحانه؛ فبما أنّها آيات للّه، فإنّ كلًّا منها يشير إلى الله حسب سعته الوجوديّة، والقرآن نفسه يدعونا إلى تتبُّع تلك الآثار. و من هنا ينشأ الحديث: تَفَكَّرُوا في آلَاءِ اللهِ؛ وَ لَا تَتَفَكَّرُوا في ذَاتِ اللهِ٤.
و من جهة أخرى علِمنا أنّه لا يمكن معرفة الله سبحانه عن طريق الموجودات، إذ كما قلنا لا يمكن معرفة الله إلّا عن طريق الله نفسه. و قد وردت روايات كثيرة في هذا الباب في أن الإنسان باستطاعته معرفة الله بذاته٥.
كانَ أمير المؤمنين عليه السلام يخطب يوماً فسأله أحد الحاضرين قائلًا: يَا أمِيرَ المُؤْمِنينَ! هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟!
- سورة يوسف، مقطع من الآية ٩۰.
- [وبداية الحديث:
«من زعم انه يعرف اللّه بتوهم القلوب فهو مشرك، و من زعم انه يعرف اللّه بالاسم- دون المعنى فقد أقرّ بالطعن لأنّ الاسم محدث، و من زعم انه يعبد الاسم و المعنى فقد جعل مع اللّه شريكا، و من زعم انه يعبد الصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب، و من زعم انه يعبد الصفة و الموصوف فقد أبطل التوحيد؛ لأنّ الصفة غير الموصوف.
و من زعم انه يضيف الموصوف الى الصفة فقد صغّر بالكبير، و ما قدروا اللّه حق قدره...». ( العلامة الطباطبائي، الشيعة نص الحوار مع المستشرق كوربان، ص: ٢۱٦ نقلًا عن تحف العقول ص ٣٢٦)]. - [روي في «اصول الكافي» ج ۱، ص ۱۰٥، باب النهي عن الجسم و الصورة، عن محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمّد بن زيد أنّه قال: كنت عند الإمام الرضا عليه السلام فسألته عن التوحيد فأملى على قائلًا:
...لَا تَضْبُطُهُ العُقُولُ، وَ لَا تَبْلُغُهُ الأوْهَامُ وَ لَا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ، وَ لَا يُحِيطُ بِهِ المِقْدَارُ. عَجَزَتْ دُونَهُ العِبَارَةُ، وَكَلَّتْ دُونَهُ الأبْصَارُ، وَ ضَلَّ فِيهِ تَصَارِيفُ الصِّفَاتِ. احْتَجَبَ بِغَيْرِ حِجَابٍ مَحْجُوبٍ، وَ اسْتَتَرَ بِغَيْرِ سِتْرٍ مَسْتُورٍ. عُرِفَ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَ وُصِفَ بِغَيْرِ صُورَةٍ، وَ نُعِتَ بِغَيْرِ جِسْمٍ؛ لا إلَهَ إلَّا اللهُ الكَبِيرُ المُتَعَال.
و فيه أيضًا، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): في قوله: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» قال: إحاطة الوهم أ لا ترى إلى قوله: «قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ»، ليس يعني من البصر بعينه «وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها» ليس يعني عمى العيون إنما عنى إحاطة الوهم كما يقال: فلان بصير بالشعر، و فلان بصير بالفقه، و فلان بصير بالدراهم، و فلان بصير بالثياب، الله أعظم من أن يرى بالعين. - يقول الشيخ نجم الدين الرازي في رسالة «عشق و عقل» ص ٥٣ و ٥٤، بعد بحثه حول الصالحين المحجوبين عن نور الله: «هذه الطائفة هي أصحاب الميمنة، و مشربهم يكون من عالم الأعمال، و يكون معادهم درجات جنّات النعيم؛ و مع ذلك فلا سبيل لهذه الطائفة إلى معرفة ذات الله وصفاته في الحقيقة، لأنّهم ما زالوا مقيّدين بآفة حُجُب الصفات الروحانيّة و النورانيّة؛ إذ أن لِلَّهِ [تَعالَي] سَبْعينَ ألْفَ حِجابٍ مِنْ نورٍ وَ ظُلْمَةٍ. و قال في مكان آخر: حِجابُهُ النُّورُ، لَوْ كُشِفَتْ لأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَي إليه بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ. و لذا قيل لهذه الطائفة: احذروا من خلط العقل بالعقال في مجال التفكّر في ذات الحقّ جلّ و عَلا، لأنّه ليس له حدّ؛ تَفَكَّرُوا في آلَاءِ اللهِ وَ لا تَتَفَكَّرُوا في ذَاتِ اللهِ»].
- روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ بسند متّصل عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام حيث قال: قَالَ أمير المؤمنين عَلَيْهِ السَّلَامُ: اعْرِفُوا اللهَ بِاللهِ! وَ الرَّسُولَ بِالرِّسَالَةِ وَ اولِي الأمْرِ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَ العَدْلِ وَ الإحْسَانِ («اصول الكافي» ج ۱، ص ۸٥، باب أنّه لا يعرف إلّا به، حديث رقم۱).
و روى بسنده أيضاً عن منصور بن حازم أنّه قال:
قُلْتُ لأبِي عبد الله عَلَيْهِ السَّلَامُ: إنِّي نَاظَرْتُ قَوْماً فَقُلْتُ لَهُمْ: أنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ أجَلُّ وَ أعَزُّ وَ أكْرَمُ مِنْ أن يُعْرَفَ بِخَلْقِهِ، بَلِ العِبَادُ يُعْرَفُونَ بِاللهِ.
فَقَالَ: رَحِمَكَ اللهُ («اصول الكافي» ج ۱، ص ۸٦، حديث رقم ٣.).

