أهم محتويات المقالة: - مراتب المعرفة والمرتبة المرادة في معرفة الله؛ - معنى معرفة الله بالله وانحصار طريق معرفته بها؛ - كيف يمكن معرفة الله بالله؟ وكيف نفسّر الأخبار الدالة على استحالة معرفة الله؟؛ - أقوال العلماء في الجمع بين ما دلّ على استحالة معرفة الله وما دلّ على إمكانها؛ - قابليّة الإنسان لمعرفة الله لا متناهية؛ - نتيجة الجمع بين الأخبار الدالة على استحالة معرفة الله والدالة على إمكانها.
هل يمكن أن نعرف الله؟
10كذلك الحال مع الإنسان، فلأنّه موجود يعكس كلّ الصفات الجماليّة و الجلاليّة الربّانيّة، ويمثّل الظهور التامّ و المظهر الأتمّ للّه عزّ و جلّ، فهو يمتلك قابليّة الانجذاب و المسير. لكن، ما هو انجذابه و سيره؟ هو تجاوزه للموجودات الباعثة على التفرّق و الفرقة، وللهواجس النفسانيّة الباطلة التي تحيط بعقيدته، وللخيالات و الأحلام المُمَوَّهة و الأفكار المُشوَّهة التي تذهب به بعيداً عن عالم القرب، فليس سيره إلّا ذلك.
يتحتّم على الإنسان أن يرفع رأسه عن التبن والعلف الذي يقتاته الحيوان في زريبته، و أن يتجاوز عالم الناسوت و المادّة و يتنزّه عن أصالة الطبيعة. عليه أن لا ينظر إلى ذلك نظر استقلال، و أن يتوجّه نحو عالم الملكوت ويجعل وجهته الخلقيّة مندكّة في وجهته الربوبيّة۱ والملكوتيّة، و أن يصرخ بأعلى صوته:
{وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَ الأرْضَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَ مَا أنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إنّ صَلَاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيَايَ وَ مَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذَلِكَ امِرْتُ وَ أنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.}٢
فحينئذٍ، و كلّما كانت وجهة القلب تزداد ميلاناً إلى هذا النحو، سيقترب أكثر من عالَم القدس الذي هو عالَم الطهارة و التجرّد و النقاء و القداسة، و سيزداد اتّصافاً بالصفات الإلهيّة، حتى يوفَّق بعد ذلك إلى اللقاء الحقيقيّ بالله فيصبح حقّاً و واقعاً عارفًا بالله عزّ و جلّ، وليس فقط يُوَفَّق للّقائه، بل وكذلك سيتخلّق بأخلاق الحقّ تعالى بكلّ وجوده من قمّة رأسه حتى أخمص قَدَمَيْهِ.
نتيجة الجمع بين الأخبار الدالة على استحالة معرفة الله والدالة على إمكانها
إنّ الذين يقولون: لا يمكن للإنسان الوصول إلى معرفة الله سبحانه و لقائه، و هو عاجز عن الوصول إلى ذلك المقام المنيع و تلك الذروة الرفيعة و لا سبيل له إلى ذلك. فإنّ هذه المقولة ستصحّ ما دام بقي من وجوده و كيانه شيء يذكر، فهذا الوجود هو مخلوق، و المخلوق هو ما امتلك حالة التعيّن، فلا يمكنه، و الحال هذه، إيجاد سبيل ليصل به إلى الخالق اللامتناهي الذي يفتقد التعيّن. ليس بمقدور الإنسان معرفة الله بوساطة الفكر و التفكير و لا حتى بطريق الإدراك، ذلك أنّ الفكر و التفكير محدودان بينما الله سبحانه لا حدّ له. فكلّما حاول الإنسان جهده الإحاطة بالله بالتفكّر و القدرة العقليّة كان ذلك له محالًا، ذلك لأنّ الصور الفكرية التي عنده ، هي صور تخيّليّة من صُنعِ فكره، وصنيعة ذهنه، وأين هي من الله عزّ و جلّ؟!
- [للاطلاع على حقيقة هذين الاصطلاحين انظر: معرفة المعاد، ج٥، ص: ۱٥].
- هذه الفقرة من الدعاء هي من ضمن الأدعية السبعة في التكبيرات الافتتاحيّة في الصلاة و التي ذكرها آية الله السيّد محمّد كاظم اليزديّ أعلى الله مقامه في كتاب «العروة الوثقي» في باب الصلاة، فصل (تكبيرة الإحرام)، و هو دعاء مأثور عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام، مقتبس من آيتين من اي القرآن الكريم، الاولي: الآية ۷٩، من السورة ٦: الأنعام، و هي قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم عليه السلام إذ قال لقومه: إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَ الأرْضَ حَنِيفًا وَ مَآ أنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. و الثانية الآيتين ۱٦٢ و ۱٦٣، من نفس السورة، هي قوله تعالى خطاباً للنبيّ الأكرم يأمره أن يقول للمشركين: قُلْ إنّ صَلَاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيَايَ وَ مَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذَلِكَ امِرْتُ وَ أنَا أوَّلُ الْمُسْلِمِينَ.

