
العرفان الحقّ، والعرفان الباطل
أهم محتويات المقالة: - الوصول إلى مراتب الكمال والعرفانِ حاجةٌ فطريّةٌ؛ - نقطة الهدف في العرفان الحق: معرفة اللـه والتجرّد عمّا سواه (موقع خوارق العادة)؛ - الطريق إلى معرفة اللـه: الاهتمام بظاهر الشريعة وباطنها معًا؛ - دور التوسّل بأهل البيت في تحقيق المعرفة باللـه؛ - تحريف مصطلح العرفان في ثقافة الناس المعاصرة؛ - كيفية تشويه البعض للوجه المشرق لعرفان العلاّمة الطهرانيّ؛ - قيمة خوارق العادات عند العلاّمة الطهرانيّ والعرفاء؛ - سبب سوء الظنّ بالعرفاء.
العرفان الحقّ، والعرفان الباطل
3إنّ كبار العُرفاء وأهل التوحيد يَعدّون توجّه السالك إلى غير الله المتعال سببًا لخسرانه وهدرًا لرأسمال عمره وتبديلًا لجوهر الوصل النادر الوجود بالأحجار الرخيصة الحقيرة.۱
إنّ الاهتمام بالمعنويّات والنزوع نحو حقائق عالم ما وراء المادّة والطبع، وإن كان حركة ممدوحة نحو القيم والكمالات الروحيّة والمعنويّة، ويكتسب من هذه الجهة أهمّية ودقّة خاصّين، لكن ينبغي الالتفات إلى أنّه كما يتوفّر الوجود الإنساني على مراتب مختلفة هي: المادّة والصورة والمعنى والتجرّد التام، فلا بدّ وأن يكون سيرُه التكامليّ وارتقاؤه نحو عالم المعنى متطابقًا مع هذا النحو من مراتب الوجود.
ولكن في هذا العصر يُعبّر عن أيّ مرتبة من المراتب الروحيّة والنفسيّة للإنسان بعالم المعنى والباطن والحقيقة؛ فمثلاً نرى أنّ الأفراد الذين يُخبرون عن الحوادث والظواهر المستقبليّة ـ طبعًا الصحيح منها ـ يُوصفون بنظر الناس والعوام بالأوصاف الملكوتيّة والكمالات التجرديّة فيَرون أنّ رُتبتهم تفوق المراتب البشريّة وأنّهم متميِّزون عن الآخرين. وكذلك نراهم يصفِّقون للذين يقومون بأفعالٍ غير عاديّةٍ؛ فهؤلاء بنظر العوام يمتلكون قدراتٍ فوق القدرات البشريّـة، وأنّهم حصَّلوا مرحلةً عاليةً من عوالم الوجود؛ ولكن في الوقت نفسه نرى أنّ كلّ تلك الأمور والأفعال الخارقة للعادة في نظر أهل الفنّ وأهل التوحيد وأصحاب الكمالات العالية لا تمثّل أيّ شيءٍ ذي قيمةٍ، وليست أكثر من لعبةٍ؛ لأنّ النفس تستطيع بواسطة الرياضات والمراقبات الخاصّة أن تصل بسهولة إلى مثل هذه الفِعليّات فتتّصل بمرتبة المثال من قبيل: المَنام الذي يراه النائم فتنكشف له فيه حوادثٌ مستقبليّةٌ معيّنةٌ؛ ويمكن في كثير من الأحيان بلوغ هذه المسائل وتحقّقها عن طريقٍ غير شرعيٍّ ومخالف لرضا الله. وكم هم الأفراد الكثيرون الذين لا يعتقدون بأيّة شـريعة من الشـرائع الإلهيّة، ومع ذلك فإنّهم استطاعوا أن يُكسِبوا نفوسهم مقدارًا معيّنًا من القوّة بواسطة القيام ببعض الرياضات والمجاهدات النفسانيّة، واستطاعوا بواسطة التسخير والسيطرة الإجماليّة على عالم المثال أنْ يجعلوا المادّة تحت تصرّفهم وانقيادهم.
إنّ الاطّلاع على بعض المغيَّبات، وإحضار الأشياء المخفيّة، والحركة بطريقةٍ غير معروفةٍ، والتصـرّف في الأذهان ونفوس العوام من الناس، والقيام بالأعمال غير العاديّة، هي من الأمور التي يُمكن أن تصدر من الملتزمين بالشرائع الإلهيّة، كما يمكن أن تصدر أيضًا من عُبّاد الأصنام وعُبّاد البقر وسائر الفِرق الضالّة، وممّن لديهم ارتباط مع الشياطين والجنّ والنفوس الخبيثة.
- [حريم القدس ص ۸٣ـ ۸٤].
