
العقلانيّة في السير والسلوك إلى الله
أهم محتويات المقالة: - دور العقل في شخصيّة الإنسان؛ - أهميّة العقلانية في السير والسلوك؛ - علّتا نشوء التوهّمات في مقابل التعقّل؛ - نماذج من المظاهر التي تتعلّق بها النفس؛ - مشاهد تاريخيّة كان الانتساب إلى العظماء فيها سببًا للانحراف؛ - تحريف مصطلح العرفان في الثقافة المعاصرة؛ - انحراف الناس بعد وفاة النبيّ الأكرم بسبب ترك العقلانية في العلاقة معه والنظر إلى ظاهره وخوارقه؛ و... .
العقلانيّة في السير والسلوك إلى الله
9إنّ ذلك الرجل المتردّد والمشوّش لم يستطع بدوره أن يُدرك في معركة الجمل كون المرأة زوجةً لرسول الله لا يوصلها إلى درجة العصمة والحفظ من الخطأ والمعصية، وأنّ القرب من رسول الله لا يُفيد شيئًا، كما أنّ إسلام جيش البصرة لا يُعدّ دليلاً على التنزّه عن الخطإ والزلل والانحراف في المسير؛ وعلى هذا القياس...
لقد كان عليه أن يتوصّل بتفكيره إلى أنّ الخلافة لا تُساوي فلسًا واحدًا من دون استنادها إلى دعامة إلهيّة وحجّية شرعيّة وعقلانيّة، وأنّ الخليفة لا يكون كلامه مسموعًا وطاعته واجبةً إلاّ حينما يكون منصّبًا من قبل الله تعالى ورسوله، وليس عن طريق انتخاب الناس ونصبهم؛ الأمر الذي يُعدّ منحصرًا بشخص عليّ بن أبي طالب عليه السلام وحسب؛ ومن هنا، نجد بأنّ مدرسة التشيّع تتكّئ على الفهم واليقين والإتقان، لا على الشعارات وإثارة الضجيج والشغب والقوّة والمغالطة.
الملذات الماديّة وخوارق العادات
أجل، فإنّ مدرسة العرفان هي مدرسة التعقّل والفهم وسيطرة العقل على الأحاسيس والتوهّمات؛ أي خروج الإنسان من التخيّلات والأوهام والمسائل الجزئيّة وارتقاء فهمه وإدراكه، إلى أن ترتفع عنه الحجب الواحد تلو الآخر، ويلتحق بعالم الكلّية. فمادام الإنسان لم يصل إلى هذا الأمر، فإنّه لن يتمكّن من حلّ أيّة مشكلة، لكن يبقى أنّ النقطة الدقيقة التي تستدعي الدقّة ها هنا؛ هي أنّ النفس البشـريّة بشكلٍ عامٍ وبسبب تعلّقها بعالم الطبع وابتعادها عن عوالم المعنى لا تترك أيّ جهدٍ أو سعي يُمكّنها من تحصيل اللذّات والمشتهيات النفسانيّة؛ سواءً في ذلك تمكّنت من تحصليها عبر الأمور المادّية والدنيويّة ـ والتي هي أعمّ من أن تكون من جنس المأكل أو المشـرب أو الملبس أو المسكن أو المركب أو الرئاسة أو سائر هذه الأشياء ـ أم أمكنها تحصيل مشتهياتها بواسطة التلذّذ بالأمور المعنوية المتّصلة بدائرة الحواس الصوريّة والكائنة في بعض الأمور الغير العاديّة.
فمن باب المثال: إذا رَأى العوام فردًا يُمسك بأفعى بواسطة خُدعةٍ ما فإنّك ترى الجميع يجتمعون حوله؛ ولكن إذا أراد هذا الشخص أن يُبيّن حقيقةً من حقائق عالم الوجود والتوحيد لمدّة عشر دقائق فقط، فإنّنا لن نرى إلاّ عددًا ضئيلاً من الأفراد مهتمّين بذلك وأمّا الباقون فسيتركونه ويتفرّقون من حوله.
