
العقلانيّة في السير والسلوك إلى الله
أهم محتويات المقالة: - دور العقل في شخصيّة الإنسان؛ - أهميّة العقلانية في السير والسلوك؛ - علّتا نشوء التوهّمات في مقابل التعقّل؛ - نماذج من المظاهر التي تتعلّق بها النفس؛ - مشاهد تاريخيّة كان الانتساب إلى العظماء فيها سببًا للانحراف؛ - تحريف مصطلح العرفان في الثقافة المعاصرة؛ - انحراف الناس بعد وفاة النبيّ الأكرم بسبب ترك العقلانية في العلاقة معه والنظر إلى ظاهره وخوارقه؛ و... .
العقلانيّة في السير والسلوك إلى الله
8ولهذا، حينما أدّت مصاديق التوهّم وأسبابه ـ نظير الانتساب لرسول الله (عائشة)، والاشتهار في المجتمع بسبب القدم في الإسلام (طلحة والزبير)، والانتماء للدين الإسلامي ودعوى اتّباع سنّة الرسول والاعتراف بالقرآن كمصدر وحيد للوحي والهداية (جيش البصرة)، وطلب الثأر لخليفة المسلمين (عثمان) ـ إلى إيجاد الشكّ والشبهة والتوهّم لدى أحد المحيطين بأمير المؤمنين، فإنّه عليه السلام ردّ عليه قائلاً: «إنّك رجل ملبوس عليك؛ لا يُعرف الحقّ بأقدار الرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله».۱ أي: إنّك رجل غلَبَت على عقلك وفكرك القوّتان المتوهّمة والمتخيّلة اللتان عملتا على إخفاء الحقيقة عنك وأخرجتاك عن ميزان الإنصاف والاعتدال، وأغوتك جاذبيّة الظواهر عن الميل للحقّ؛ فاعلم بأنّ الحقّ والواقع لا يُقاسان أبدًا بموقعيّات الناس وشخصيّاتهم الظاهريّة الخدّاعة! ومن هنا، فعليك أوّلاً أن تتعرّف على الحقّ بشكل جيّد وواضح؛ وحينئذ، ستتعرّف بنفسك على متّبعيه، كما عليك أيضًا أن تشخّص الباطل بكلّ وضوح، وتطّلع على جميع جوانبه وحيثيّاته، لتتعرّف آنذاك على أتباعه من المنحرفين؛ فتميّزهم عن أهل الحقّ والسداد.
ففي يوم من الأيّام، سألت أحد الأعزّاء والأحبّاء والأقرباء ـ الذين قلّ نظيرهم في فنّ تشخيص المجوهرات والأحجار الكريمة، بحيث يُعدّ من أكبر الخبراء في العالم في هذا المجال ـ : ما هي العلّة الكامنة من وراء هذا النجاح والشهرة والخبرة التي اكتسبتها، بحيث بلغتَ هذه الدرجة من التبحّر والتجربة في التمييز بين الأحجار الكريمة الحقيقيّة والمزيّفة، وصاروا يذهبون بك إلى مختلف البلدان لأجل الاستفادة من خبرتك؟
فأجابني قائلاً: العلّة الوحيدة من وراء ذلك أنّني في البداية حصرت جميع توجّهي وبحثي ودراستي في تشخيص الأحجار الأصليّة والحقيقيّة والثمينة، وقد صرفت وقتًا كثيرًا في الدراسة وقراءة الكتب المرتبطة بهذا المجال، بحيث صار لديّ إشراف كامل ومعرفة تامّة بكافّة الجوانب المرتبطة بهذه الأحجار ونوعيّتها وخصائصها؛ ومنذ ذلك الوقت، سهُل عليّ كثيرًا تشخيص الأحجار المصنوعة والمزيّفة، في حين أنّ بقيّة الأشخاص كانوا يهتمّون منذ البداية بالأحجار المزيّفة إلى جانب اهتمامهم بالأحجار الأصليّة؛ ولهذا، فإنّهم لم يتمكّنوا من الحصول على الدقّة التي حصلت عليها ويتعرّفوا على خصائص الأحجار كما تعرّفت عليها.
- بحار الأنوار، ج ٤۰، ص ۱٢٥.
