
العقلانيّة في السير والسلوك إلى الله
أهم محتويات المقالة: - دور العقل في شخصيّة الإنسان؛ - أهميّة العقلانية في السير والسلوك؛ - علّتا نشوء التوهّمات في مقابل التعقّل؛ - نماذج من المظاهر التي تتعلّق بها النفس؛ - مشاهد تاريخيّة كان الانتساب إلى العظماء فيها سببًا للانحراف؛ - تحريف مصطلح العرفان في الثقافة المعاصرة؛ - انحراف الناس بعد وفاة النبيّ الأكرم بسبب ترك العقلانية في العلاقة معه والنظر إلى ظاهره وخوارقه؛ و... .
العقلانيّة في السير والسلوك إلى الله
5علّتا نشوء التوهّمات في مقابل التعقّل
ومن الضروري الالتفات إلى أنّ العلّة الكامنة من وراء نشوء التوهّمات في مقابل التعقّلات تتمثّل في أمرين:
۱. الجهل
الأوّل: جهل الإنسان وعدم اطّلاعه على الظواهر الخارجيّة والموضوعات والمسائل الحقيقيّة، والذي يُعدّ لوحده عاملاً مهمًّا جدًّا ورئيسيًّا في ضلالة الناس وانحراف الأذهان وطيّ طريق الغواية والضلال.
إنّ عدم الاطّلاع اللازم على القضايا الكلّية والمباني الأصيلة والتعاليم العقلانيّة والإرشادات الفطريّة التي تُعدّ رأسمال ثمينًا جُهّزت به خلقة الإنسان لأجل تشخيص الحقّ والباطل، وعدم التعرّف على المطالب الوحيانيّة الواردة من قبل حاملي لواء الوحي وحرّاس مدرسة الحقّ، يُؤدّي إلى السقوط في فخّ التوهّمات والتخيّلات؛ ممّا سينجرّ في الأخير إلى هلاك الروح والجسم، وضياع الفرص وتلاشي الاستعدادات والقوى البشريّة.
اى بسا ابليس آدم روى هست *** پس به هر دستى نبايد دست داد۱ (يقول: ما أكثر ما يظهر إبليس بصورة آدم؛ فلا ينبغي أن نُسلّم لأيّ إنسان)
إنّ اتّباع الإنسان للفاسدين والماكرين ذوي المظهر الخدّاع والجذّاب، والكلام الموزون والمعسول، والوجه البشوش والضاحك، والملامح المنشرحة والباسمة، والتواضع الناشئ من المكر والحيلة، والسخاء والعفو النابعين من النوايا النفسانيّة الرديئة، والزهد الخدّاع والمرائي، لن يستتبع إلاّ الخسران والشقاء والهلاك وضياع العمر وتفويت الفرص؛ وكلّ ذلك بسبب عدم اطّلاع الإنسان على الأصول والمباني واتّباعه وانقياده لشخص آخر. وأمّا إذا تعرّف المرء على القواعد والأصول وعلم بملاك الاتّباع والاستماع والانقياد للأفراد، فإنّه حينئذ لن يُطيع أيّ أحد طاعةً عمياء واعتمادًا على عاطفته وعقله الناقص وذهنه المفتقر للوعي والإدراك.
ولهذا، نرى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام ينصح في هذه الوصيّة بالحكمة؛ أي الكلام المتقن والاعتقاد الراسخ الذي يستطيع الإنسان من خلاله تشخيص موارد الشبهة، واتّقاء السقوط في فخّ الأهواء والنزوات والشيطان.
٢. تعلّق النفس بالمظاهر
العلّة الثانية لنشوء التوهّمات وسقوط الإنسان في فخّها هي ميل النفس الإنسانيّة وتعلّقها بالظواهر الجزئيّة والأمور الحسّية ومظاهر عالم الطبع والمادّة؛ وهي مسألة يُعاني منها جميع الناس؛ العالم منهم والجاهل، الصغير والكبير، الرجل والمرأة؛ اللهمّ إلاّ تلك الطائفة من الناس الذين عبروا عن الجزئيّة والتحقوا بالكلّية عن طريق تهذيب نفوسهم وتزكيتها وتربيتها وإيصال قواهم الروحيّة والعقلانيّة إلى مرحلة الفعليّة.
- مثنوي معنوي، الكتاب الأوّل، ص ۱۸.
