
العقلانيّة في السير والسلوك إلى الله
أهم محتويات المقالة: - دور العقل في شخصيّة الإنسان؛ - أهميّة العقلانية في السير والسلوك؛ - علّتا نشوء التوهّمات في مقابل التعقّل؛ - نماذج من المظاهر التي تتعلّق بها النفس؛ - مشاهد تاريخيّة كان الانتساب إلى العظماء فيها سببًا للانحراف؛ - تحريف مصطلح العرفان في الثقافة المعاصرة؛ - انحراف الناس بعد وفاة النبيّ الأكرم بسبب ترك العقلانية في العلاقة معه والنظر إلى ظاهره وخوارقه؛ و... .
العقلانيّة في السير والسلوك إلى الله
4يقول أمير المؤمنين عليه السلام في وصيّته الإمام الحسن بحاضرين:
«أحْيِ قَلْبَكَ بِالمَوْعِظَةِ، وأمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ» (والإعراض عن الأهواء النفسانيّة والآمال الكاذبة)، «وقَوِّهِ بِاليَقِينِ» (والقطع بالعقائد والأعمال؛ فلا تلج إلى أيّة مسألة من دون تحقيق واطمئنان ويقين، ولا تُقدم على أيّ أمر تتردّد وتشكّ فيه، وتسعى نحو أيّ مطلب اعتمادًا على الحدس والظنّ والتخيّل وأقوال الناس والشائعات، بل توقّف فيه ولا تتحرّك)، «ونَوِّرْهُ بِالحِكْمَةِ» (والمطالب الحقيقيّة التي تبتني على البرهان العقلي والشهود الربّاني وابتعد عن الشائعات والتوهّمات والأمور الرائجة بين الناس والمبنيّة على أساس الحدس والظنّ، ولا تجعلها معيارًا لعملك وفكرك وبرنامج حياتك).۱
ويقول مولانا جلال الدين الرومي (رحمة الله عليه) بشأن الآثار السيّئة لاتّباع التخيّلات والعواطف:
بر خيالى صلحشان وجنگشان *** از خيالی فخرشان وننگشان جان همه روز از لگد كوب خيال *** وز زيان وسود وز خوف زوال نى صفا مى ماندش نى لطف وفر *** نى بسوى آسمان راه سفر٢ (يقول: يعتمدون على الخيال في حربهم وصلحهم ويستمدّون من الخيال مجدهم وعارهم
فالروح في كلّ يوم من جراء ضغوط الخيال والتفكير في النفع والضرر وخوف الزوال
لا صفاء يبقى لها ولا لطف لا جلال، ولا طريق لها ترحل منه صوب السماء)
فالتصوّرات والتصديقات (وخلاصةً: الواقعيّات الإنسانيّة الذهنيّة) إمّا أن تكون مبتنية على الحقائق الخارجيّة والأمور النفس أمريّة والتي يُقال لها العلم والمعرفة والإدراك، وإمّا أن تكون مصنوعة من قبل الذهن والنفس من دون أن يكون لها أيّ ارتباط بالواقعيّات الخارجيّة؛ ومن باب المثال، كثيرًا ما نُشاهد الأطفال يُخبرون عن بعض الأشخاص أو الموجودات الخارجيّة من دون أن يكون لها أيّ تحقّق في الخارج، بل تكون مبتنية على أساس تخيّلات هؤلاء الأطفال.
ولا يخفى أنّ هذه المسألة لا اختصاص لها بالأطفال الصغار، بل قد نجد أنّ الكبار العقلاء تحصل لهم مثل هذه الظواهر؛ نظير مشاهدة صورة بعضهم في القمر، والتي شاعت كثيرًا بين الناس! حيث يُطلق على مثل هذه الظواهر اسم التخيّل والتوهّم.
فهذا النوع من التصوّرات والتصديقات لن يكون أبدًا منشأ لأيّ أثر من الآثار، ولن تترتّب عليه أيّة ثمرة، ولن يحلّ أيّة عقدة، ولن يُعالج أيّة مشكلة، بل سيُؤدّي إلى غوص المتوهّم في وحل الجهل أكثر فأكثر، مبعدًا إيّاه عن الحقيقة وانكشاف الواقع.
- نهج البلاغة، وصيّته عليه السلام للإمام الحسن المجتبى في حاضرين.
- مثنوي معنوي، المجلّد اوّل طبعة آقا ميرزا محمود، ص ۱۱
