
العقلانيّة في السير والسلوك إلى الله
أهم محتويات المقالة: - دور العقل في شخصيّة الإنسان؛ - أهميّة العقلانية في السير والسلوك؛ - علّتا نشوء التوهّمات في مقابل التعقّل؛ - نماذج من المظاهر التي تتعلّق بها النفس؛ - مشاهد تاريخيّة كان الانتساب إلى العظماء فيها سببًا للانحراف؛ - تحريف مصطلح العرفان في الثقافة المعاصرة؛ - انحراف الناس بعد وفاة النبيّ الأكرم بسبب ترك العقلانية في العلاقة معه والنظر إلى ظاهره وخوارقه؛ و... .
العقلانيّة في السير والسلوك إلى الله
2بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا
أبي القاسم محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين،
واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
دور العقل في شخصيّة الإنسان
وُضع العقل في فطرة الإنسان وسجيّته كوديعة إلهيّة توجب تشخيص الحقّ من الباطل، وتميّز الواقع من المجاز وتفرز الأصول والمباني من الاعتبارات. وهو بذلك يجعل مسير حركة الإنسان نحو عالم الحقائق والمعرفة والكمال واضحًا وبيّنًا؛ فالإنسان بدون القوّة العاقلة لا يتفاوت عن الحيوان أيّ تفاوت، ولازم الفصل الحقيقي للإنسان هو وجود مقولة العقل في ذاته وفطرته.
لقد بُعث الرسل الإلهيّون إلى الناس بوصفهم «العقل المنفصل» ؛ وذلك لكي يقوموا ـ بواسطة اتصالهم بعالم الغيب ـ باستكمال عقل الإنسان وترقيَته ومن أجل تنمية براعم الفعليّة الكامنة في هذا العقل؛ والعقل ـ باستخدامه البراهين المنطقيّة المتولّدة من حقيقته الجوهريّة ـ يرى أنّ اتّباعهم والانقياد لهم واجبٌ وأنّ مخالفتهم حرامٌ؛ وكلّما تحرّك الإنسان منقادًا لهذه العقول المنفصلة، فإنّ فعليّته ورقيّه العقلانيّ سيزيدان تبعًا لذلك حتّى يبلغان الحدّ الذي يُصبح فيه مُلْحقًا ومتّحِدًا بعالم العقول، فيصبح مستَنيرًا وملهَمًا بشكلٍ مباشرٍ من النفس الجوهريّة التي له.
يُعرِّف الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام ـ وهو الإمام السابع للشيعة ـ هذه الموهبة والوديعة الإلهية ويبيّن مقدار أهميّتها في تكامل الإنسان، فيقول:
«إنّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَكْمَلَ لِلنَّاسِ الحُجَجَ بِالعُقُوْلِ وَنَصَرَ النَّبِيِّينَ بِالبَيَانِ وَدَلَّهُم عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ بِالأَدِلّةِ، فَقَالَ:{وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ* إِنَّ فى خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والْفُلْكِ الَّتى تَجْرى فِى الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وتَصْريفِ الرِّياحِ والسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون}»۱
ثمّ يُكمل الإمام عليه السلام، فيقول:
«مَا بَعَثَ الله أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ إِلَى عِبَادِهُ إلاّ لَيَعْقِلُوا عَنِ اللهِ فَأَحْسَنُهُم استِجَابَةً أَحْسَنُهُم مَعْرِفةً وَأَعْلَمُهُم بِأَمْرِ اللهِ أَحْسَنُهُم عَقْلاً وَأَكْمَلُهُمْ عَقْلاً أَرْفَعُهُم دَرَجَةً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ».٢
يُوضّح الإمام في هذه الفقرات أنّ المِعيار في إحراز المرتبة التكامليّة والتقرّب إلى الله ومعاينة عالم الغيب إنّما يُقاس بمقدار تكامل العقل وأنّ تعيين درجات الكمال الإنساني في عالم الآخرة سيكون تابعًا لتكامله العقلانيّ وأنّ معرفة ال له عزّ وجلّ إنّما تكمن في طيّ مدارج الفعليّة العَقلانيّة للإنسان.٣
- سورة البقرة ٢ ، الآيتان: ۱٦٣ و۱٦٤.
- الكافي، ج۱، ح ۱٢، كتاب العقل والجهل؛ بحار الأنوار، ج ۱ ص۱٣٢، ٢٩، باب ٤، علامات العقل وجنوده.
- الكافي، ج ۱، ص ۱٦، كتاب العقل والجهل؛ بحار الأنوار، ج ۱، ص ۱٣٦و ۱٣۷، الباب ٤، علامات العقل وجنوده.
