
العقلانيّة في السير والسلوك إلى الله
أهم محتويات المقالة: - دور العقل في شخصيّة الإنسان؛ - أهميّة العقلانية في السير والسلوك؛ - علّتا نشوء التوهّمات في مقابل التعقّل؛ - نماذج من المظاهر التي تتعلّق بها النفس؛ - مشاهد تاريخيّة كان الانتساب إلى العظماء فيها سببًا للانحراف؛ - تحريف مصطلح العرفان في الثقافة المعاصرة؛ - انحراف الناس بعد وفاة النبيّ الأكرم بسبب ترك العقلانية في العلاقة معه والنظر إلى ظاهره وخوارقه؛ و... .
العقلانيّة في السير والسلوك إلى الله
16ولهذا، فليس صحيحًا ما يقوله البعض من أنّ: حضرة أبي الفضل العبّاس لو كان يُريد في يوم عاشوراء أن يعمل وفقًا لما يُمليه عليه عقلُه، لكان ينبغي عليه أن يشرب من الماء فور وروده لشريعة الفرات؛ إذ يحكم كلّ عقل بأنّ الإنسان الذي قضى ساعات طوال في العطش مُلزمٌ بشرب الماء ورفع عطشه حتّى يكتسب قُدرةً أكبر تُمكّنه في الأخير من الدفاع عن إمامه بشكل أفضل، لكنّنا نرى أنّ أبا الفضل عليه السلام عمل وفقًا للعشق وامتنع عن شُرب الماء.
وللجواب عن ذلك، ينبغي القول: إنّ العقل الذي يحكم وفقًا لهذا الأمر، هو عقل لم يبلغ كماله بعدُ، بل هو عقل عادي؛ وهو العقل الذي يحكم على الناس والمجتمعات في العالم المعاصر؛ سواءً تلبّس بشكل وصبغة دينيّين أم لا.
وأمّا ذلك العقل الذي تبلور في نفس حضرة أبي الفضل العبّاس عليه السلام، فهو عقل منوّر ومتكامل؛ وهو الذي عيّن له طريقه وحدّد له مساره. فهذا العقل هو الذي أمره بأن يصبر إلى أن يذهب أمام عينيه كلّ واحد من إخوته إلى ساحة المعركة واحدًا واحدًا، ثمّ يفدي إمامَه بعد ذلك بنفسه، وهذا العقل هو الذي ظهر عنده على شريعة الفرات وصدّه عن شرب الماء في أكثر اللحظات حساسيّة وأعظمها أهمّيةً.
فهذا العقل يأتي ويرسم لحضرة أبي الفضل تلك المحبّة والعلاقة والارتباط القائم بينه وبين سيّد الشهداء عليه السلام؛ بمعنى أنّ الوحدة والاتّحاد الوجودي والربط القائم بينه وبين سيّد الشهداء عليه السلام لا يسمح له بأن يجعل نفسَه في درجة أعلى وأرقى من الإمام الحسين عليه السلام على مستوى الالتذاذات الظاهريّة والتمتّعات الدنيويّة؛ ولهذا، ما إن يُدني الماء من فمه، حتّى تتّحد تلك الجنبة العقلانيّة الكامنة في نفسه المطهّرة مع جنبة المعرفة والاتّصال بالإمام عليه السلام؛ فتصدّه عن شُرب الماء.۱
المشهد الثاني: عقلانيّة العرفاء في التعامل مع الإمام عليه السلام
يوجّه العارف في كلامه الناس نحو هذه الحقيقة، ويهديهم من الظاهر نحو الباطن ومن الإحساسات نحو الأمور الواقعيّة، ومن الانجذاب إلى المادّة نحو الجلوات الربوبيّة والأنوار الإلهيّة؛ فلا سبيل للنظرة الظاهريّة للإمام عليه السلام في مدرسة العارف ومنهج أهل التوحيد. فالعارف يدعو إلى باطن الإمام وولايته، وإلى المعرفة الحقيقية للإمام عليه السلام، لا أنه يروّج معرفة هويّة الإمام فحسب. إلى ماذا تدعو جميع هذه الروايات الحاثّة على زيارة الأئمّة عليهم السلام مع معرفتهم معرفة حقيقيّة، وإلى أيّ مقام ترشدنا وعلى أي موقعيّة للأئمّة تدلّنا؟ أليست تلك الروايات التي تعتبر أن ميزان الأجر والثواب على زيارة الأئمّة عليهم السلام هو ميزان القرب منهم ومعرفتهم، دالّة على أن قيمة زيارة الإمام على أساس المعرفة؟ أليس هناك تفاوت بين زيارة الإمام الرضا عليه السلام التي تعادل ثواب حجّ وعمرة مقبولة، وبين زيارة نفس الإمام التي تعادل ثواب ألف حجّة وألف عمرة مقبولة؟ إذا كان الأمر متفاوتًا بينهما، فأين يكمن ذلك؟
- جلسات مباني السير والسلوك، طهران، الجلسة ٣۰.
