
العقلانيّة في السير والسلوك إلى الله
أهم محتويات المقالة: - دور العقل في شخصيّة الإنسان؛ - أهميّة العقلانية في السير والسلوك؛ - علّتا نشوء التوهّمات في مقابل التعقّل؛ - نماذج من المظاهر التي تتعلّق بها النفس؛ - مشاهد تاريخيّة كان الانتساب إلى العظماء فيها سببًا للانحراف؛ - تحريف مصطلح العرفان في الثقافة المعاصرة؛ - انحراف الناس بعد وفاة النبيّ الأكرم بسبب ترك العقلانية في العلاقة معه والنظر إلى ظاهره وخوارقه؛ و... .
العقلانيّة في السير والسلوك إلى الله
12إنّ هؤلاء لم يعمدوا إلى وضع الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم في مكانته الحقيقيّة والمختصّة به اعتمادًا على الفكر العقلاني، ليطيعوه بعد ذلك بناءً على هذا الأساس، بل لأنّهم شاهدوه يضرب بعصاه الحجر فيخرج منه الماء، فاستخلصوا من ذلك أنّ الحقّ هنا، وقد كانوا يُطيعونه لأنّهم رأوه يمتطي ناقته، ويلقي لها العنان، فتسلك به هذه الناقة طريقًا خاصًّا طبقًا لمهمّتها الإلهيّة، ثمّ تبرك عند باب منزل أبيّ أيّوب مشيرةً للنبيّ بأن ينزل وأنّ هذا هو منزله! وقد كان يُطيعونه لأنّهم شاهدوه يُشير إلى الشجرة، فتشهد له بالتوحيد والرسالة!
فإذا ما تأمّلتم قليلاً في هذه المسائل، ستكتشفون أنّ جميع نواحي قلوبهم مملوّة بالظواهر والمظاهر الجذّابة، لكن ما إن ينهزم رسول الله في معركة أحد حتّى تتبعثر جميع أفكارهم.. أفهل يُمكن للرسول أن ينهزم أيضًا؟! فأين هي إذن ملائكته؟! أفلم يقل الله تعالى في القرآن: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلين﴾۱؛ لقد أرسلنا إليكم في غزوة بدر ثلاثة ألف ملك من أجل نصركم.. فلماذا لم يُرسل الله تعالى هذه الملائكة في غزوة أحد؟! أين هي إذن وعود النبيّ؟!
وكذلك الأمر في غزوة الخندق، حينما أتى عمرو بن ودّ وطلب مبارزًا، فلم يتجرّأ أي أحد على مقارعته؛ لأنّهم أيقنوا بحتميّة الموت هنا، فشكّ الجميع في النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.
فالمسألة المهمّة هنا هي: أنّ النبيّ هل أتى ليضمن للناس عُمر الخضر عليه السلام؟! فلو كان الأمر كذلك، لما قام الرسول بكلّ هذه الحروب في سبيل الله، ولما طُرحت مسألة الشهادة والجهاد في سبيل الله تعالى من الأساس.
لقد جاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لكي يجعل حياتنا المادّية والدنيويّة معبرًا للحياة الأخرويّة؛ وهو معبر تقع فيه أحيانًا الحرب والشهادة، وأحيانًا أخرى تحصل الأمور بشكل آخر؛ ومن هنا، يتضّح أنّ أولئك كانوا ينظرون إلى الرسول في زمان حياته كوسيلة للمحافظة على أنفسهم في هذه الدنيا بأفضل وجه، لا كوسيلة للعبور والتكامل.
وأمّا الذين عمدوا في زمان حياة الرسول إلى التدقيق في أعماله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فوصلوا إلى حقيقته وباطنه عليه السلام اعتمادًا على التفكّر العقلاني، ثمّ أطاعوه بعد ذلك، فقد كانوا هم الذين لم يهجر رسول الله تعالى قلوبهم بعد وفاته.
- سورة آل عمران، الآية ۱٢٤.
