
ردّ العلامة الطهراني على منكري ثواب الأعمال الواردة في يوم الغدير
أهم محتويات المقالة: - إنكار بعض علماء العامة لثواب صيام يوم الغدير؛ - جواب العلاّمة الطهراني على إشكالات الذهبي؛ - استبعاد ابن كثير للثواب العظيم الوارد في صيام يوم الغدير، و الجواب على إشكاله؛ - ضروب الثواب و الجزاء كلّها تفضّل وإحسان باعتراف علماء السنّة؛ - الثواب الإلهيّ يعطى بمقدار ما يكشف العمل عن حقيقة الإيمان؛ - الحديث القدسيّ في آثار النوافل؛ - ما هو سبب إنكار علماء السنة لرواية فضيلة أعمال يوم الغدير؟.
ردّ العلامة الطهراني على منكري ثواب الأعمال الواردة في يوم الغدير
6وقال ابن كثير نفسه في تفسير هذه الآية الكريمة: ثبت في الصحيح عن رسول اللـه صلّى اللـه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «اعْمَلُوا وَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أنَّ أحَدَاً لَنْ يُدْخِلَهُ عَمَلُهُ الجَنَّةَ! قَالُوا: وَلَا أنْتَ يَا رَسُولَ اللـه؟! قَالَ: وَلَا أنَا إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللـه بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ».۱
الثواب الإلهيّ يعطى بمقدار ما يكشف العمل عن حقيقة الإيمان
ومن هنا نقف على أنّ الثواب الإلهيّ بمقدار ما يكشف العمل عن حقيقة الإيمان. وكلّما كان الإيمان والخلوص أكثر، كانت المثوبة أكثر.
ومعلومٌ أنّ الإيمان والإخلاص اللذَين هما من الصفات النفسيّة أدقّ وألطف وأظرف من الأعمال البدنيّة والخارجيّة المشهودة من واجبات ومحرّمات ومستحبّات ومكروهات، إذ يكشفان مقام الامتثال في العبد، ويبيّنان مقدار حبّه وحقيقته. وهذه هي الأعمال المستحبّة والنوافل التي يؤدّيها العبد طائعاً راغباً بلا إلزام وإيجاب، تدنيه من مقام القرب، وتجعل له موضعاً في حرم الأمن والأمان الإلهيّ، وتصيّره جليساً وأنيساً وكليماً وحبيباً للـه. وحينئذٍ لا يكون الثواب ثواب صيام ستّين شهراً، بل ستّين عاماً، أو بحجم عمر الدهر، كما جاء في بعض الروايات الأخرى، وبصورة عامّة، عندما يخرج العبد في عمله ونيّته من الحدود والتعيّن إلى اللاتَعَيُّن، فليس هناك إلّا اللـه وجماله وجلاله وبحر عظمته الذي لا حدّ له، ومحيط علمه وحياته وقدرته الذي لا أمد له. وليس هناك حدّ ومقدار وحجم وكمّ وكيف وأين ومتى وجِدَة وفعل وانفعال. وهناك عالم التوحيد الذي لم يزل ولا يزال. وهناك بحر الإيقان والإيمان العميق، والانصهار في القبسات الربّانيّة والنفحات السبحانيّة.
الحديث القدسيّ في آثار النوافل
روى البخاريّ في صحيحه بسنده المتّصل عن أبي هريرة أنّه قال: قال رسول اللـه صلّى اللـه عليه و آله:
إن اللـه قَالَ: «مَن عَادَى لي وَلِيَّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ. وَمَا تَقَرَّبَ إلَيّ عَبْدِي بِشَيءٍ أحَبَّ إلَيّ مما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حتّى أحِبَّهُ، فَإذَا أحْبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الذي يَبْصُرُ بِهِ وَيَدَهُ التي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ التي يَمْشِي بِهَا. وَإنْ سَألَني لأعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَني لأعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيءٍ أنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المؤْمِنِ يَكْرَهُ المَوْتَ وَأنَا أكْرَهُ مَسَاءَتَهُ».٢
- «تفسير القرآن»، لابن كثير، ج ٦، ص ٢٦٢، طبعة دار الفكر، وجاءت هذه الرواية في «صحيح البخاريّ» ج ۸، ص ٩۸ و٩٩، كتاب الرقاق، طبعة بولاق سنة ۱٣۱٢ هـ عن أبي هريرة وعائشة. وفي رواية أبي هريرة إضافة هي: سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا، وَرُوحُوا، وَشَيء مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالقَصْدَ القَصْدَ تَبْلِغُوا!
- «صحيح البخاريّ» ج ۸، كتاب الرقاق، ص ۱۰٥، طبعة بولاق. وجاء صدر هذا الحديث حتّى قوله: وَإنْ سَألني أعطيته في الصفحة ٦۸ من كتاب «كلمة اللـه». وقال في الصفحة ٥۱۸ من هذا الكتاب: أصل هذا الحديث أوّلًا في «المحاسن» للبرقيّ عن عبد الرحمن بن حمادة، عن حنان بن سدير، عن الإمام الصادق عليه السلام. والآخر في كتاب «الكافي» ج ٢، ص ٣٥٢ إذ ورد فيه بثلاثة أسناد: الأوّل: عن أبي عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، وعن محمّد بن يحيى، وعن أحمد بن محمّد بن عيسى، وكلاهما رواه عن ابن فضّال، عن علىّبن عقبة، عن حمّاد بن بشير، عن الإمام الصادق عليه السلام، عن رسول اللـه صلّى اللـه عليه وآله. الثاني: عن جماعة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي سعيد القمّاط، عن أبان بن تغلب، عن الإمام الباقر عليه السلام. الثالث: عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن المعلى بن خنيس، عن الإمام الصادق عليه السلام، عن رسول اللـه صلّى اللـه عليه وآله. وورد هذا الحديث في كثير من الكتب، وروته العامّة بألفاظ مختلفة. وقال آية اللـه الميرزا جواد آقا الملكيّ التبريزيّ رضوان اللـه عليه في كتاب «لقاء اللـه»: هذا الحديث القدسيّ متّفق عليه بين جميع أهل الإسلام. وذكره الغزّالي في «إحياء العلوم» في كتاب المحبّة والشوق إلى اللـه، ج ٤، ص ٢٦٣. وعدّه العراقيّ في ذيل الصفحة من حديث البخاريّ، عن أبي هريرة. وأوردناه نحن في المجلس التاسع من دورة (معرفة المعاد). ونقل ذيل هذا الحديث، وهو قوله: مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيءٍ أنَا فَاعِلُهُ، مع اختلاف الألفاظ في «الأمالي» للشيخ الطوسيّ؛ ج ٢، ص ٢٩، طبعة النجف سنة ۱٣۸٤؛ وفي «بحار الأنوار» ج ٦، ص ۱٥٢، الطبعة الحديثة عن «الأمالي» للطوسيّ؛ وكذلك في «المحاسن» للبرقيّ بسندين آخرين أحدهما: عن فضيل عن أبي حمزة الثمالى، عن الإمام الصادق عليه السلام. الثاني: عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن محمّد بن عليّ الحلبيّ، عن الإمام الصادق عليه السلام. ( «المحاسن» للبرقيّ، كتاب الصفوة والنور والرحمة من المحاسن، باب الانفراد، ص ۱٦۰) ونحن ذكرناه في المجلس الثامن من الجزء الأوّل من هذا الكتاب «معرفة الإمام».
