
العشق الواعي في واقعة كربلاء
أهم محتويات المقالة: - تفسير قوله تعالى: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربّك كدحاً فملاقيه؛ - قوّة العشق الحقيقيّ هي وحدها التي تفتح سبيل الوصول إلى الله؛ - عشق قدوة العاشقين: سيّد الشهداء عليه السلام؛ - رواية ابن عبّاس عن أمير المؤمنين في كربلاء عند الحركة باتّجاه صفّين؛ - لقاء عبد الله بن عبّاس و عبد الله بن عمر و عبد الله بن الزبير مع الحسين؛ - لقاء الفرزدق مع سيّد الشهداء عليه السلام في طريق الكوفة؛ - العشق الواقعيّ غير منفصل عن مباني العقل؛ - على المشارك في مجلس عزاء أبي عبد الله أن يرى نفسه تحت إشرافه عليه السلام.
العشق الواعي في واقعة كربلاء
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
تفسير قوله تعالى: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربّك كدحاً فملاقيه
قَالَ اللهُ الحَكِيمُ في كِتَابِهِ الكَرِيمِ:
{يَا أيُّهَا الإنسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ }. (الآية: ٦، من السورة ۸٤: الانشقاق)
قال أستاذنا الأعظم آية الحقّ و العرفان العلاّمة الطباطبائيّ أعلى الله مقامه في تفسير هذه الآية الكريمة:
«قال الراغب: الكَدْحُ السعي و العناء ـ انتهى. ففيه معنى السير، و قيل: الكدح جهد النفس في العمل حتى يؤثّر فيها انتهى ـ و على هذا فهو مُضَمّن معنى السير، بدليل تعدِّيه بإلی، ففي الكدح معنى السير علی أيّ حال.
و قوله: فَمُلاَقِيهِ عطف علی كَادِحٌ، و قد بيّن به أن غاية هذا السير و السعي و العناء هو الله سبحانه بما أن له الربوبيّة، أي أن الإنسان بما أنّه عبد مربوب و مملوك مُدَبَّر، ساعٍ إلی الله سبحانه بما أنّه ربّه و مالكه المُدَبِّر لأمره، فإنّ العبد لا يملك لنفسه إرادة و لا عملاً، فعليه أن لا يريد و لا يعمل إلاّ ما أراده ربّه و مولاه و أمره به، فهو مسؤول عن إرادته و عمله.
و من هنا يظهر أوّلاً أن قوله: {إنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ} يتضمّن حجّة علی المعاد، لما عرفت أن الربوبيّة لا تتمّ إلاّ مع عبوديّة، و لا تتمّ العبوديّة إلاّ مع مسؤوليّة، و لا تتمّ مسؤوليّة إلاّ برجوع و حساب علی الأعمال، و لا يتمّ حساب إلاّ بجزاء.
و ثانياً: أن المراد بملاقاته انتهاؤه إلی حيث لا حكم إلاّ حكمه، من غير أن يحجبه عن ربّه حاجب.
و ثالثاً: أن المخاطب في الآية هو الإنسان بما أنّه إنسان، فالمراد به الجنس، و ذلك أن الربوبيّة عامّة لكلّ إنسان»۱
وقد أثبت أعاظم حكماء الإسلام أن بين ربّ العزّة و بين مخلوقاته نوعاً من الجذب و الانجذاب يُعَبَّر عنه بالعشق.
وحبّ الله لمخلوقاته هو الذي أوجدها، و ألبس كلّ واحد منها (كلٌّ حسب إمكانيّته و استعداده و ماهيّته المتفاوتة) لباس الوجود و البقاء، و وصف كلاّ منها بصفاته حسب بما يناسبها. إنّ هذا الحبّ هو الذي أعطى العالَم كيانه و بقاءه و ديمومته، بدءاً بالأفلاك و مروراً بالأرض و الذرّة إلی الدُّرّة، و جَعْلها كلّها موجودات تتحرّك نحوه و تشقُّ طريقها إليه.
- «الميزان في تفسير القرآن» ج ٢۰، ص ٣٦۰ .
