
العشق الواعي في واقعة كربلاء
أهم محتويات المقالة: - تفسير قوله تعالى: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربّك كدحاً فملاقيه؛ - قوّة العشق الحقيقيّ هي وحدها التي تفتح سبيل الوصول إلى الله؛ - عشق قدوة العاشقين: سيّد الشهداء عليه السلام؛ - رواية ابن عبّاس عن أمير المؤمنين في كربلاء عند الحركة باتّجاه صفّين؛ - لقاء عبد الله بن عبّاس و عبد الله بن عمر و عبد الله بن الزبير مع الحسين؛ - لقاء الفرزدق مع سيّد الشهداء عليه السلام في طريق الكوفة؛ - العشق الواقعيّ غير منفصل عن مباني العقل؛ - على المشارك في مجلس عزاء أبي عبد الله أن يرى نفسه تحت إشرافه عليه السلام.
العشق الواعي في واقعة كربلاء
13لا يمكن للعقل أن يمنع الإنسان من التحرّك في وادي العشق، كما لا يمكن للعشق الواقعي أن ينفصل عن المباني والموازين العقليّة، فالعقل يدعو الإنسان إلى التقرّب من الحبيب والفناء فيه، ويتوسّل بأي وسيلة يمكنها أن تساعد للوصول إلى هذا الهدف، ويرى أن كل ما يقرب من الحبيب أمر ممدوح ومُجاز، بل وواجب. ويحذر من كل ما يمكن أن يكون عائقاً أمامه وقاطعاً للطريق وحاجزاً عن الدخول في حريم حضرة الحق تعالى.
إنّ العقل موهبة إلهيّة منحه الله لنا لتصحيح المسير وتطبيق الفكر والعمل على أساس الواقع والحقيقة، وفي النتيجة يدفعنا للتحرّك نحو المقصد الأقصى والغاية القصوى وفعليّة جميع الاستعدادات البشريّة الكامنة في الإنسان والوصول إلى الكمال المطلوب منه. وهذا العقل بعينه يدعو الإنسان إلى سيد الشهداء، ويدعوه للفناء به والتسليم إليه وتفويض جميع شراشر وجوده وآثار حياته إليه. فهذا العقل لا يمكن أن يكون حاجزاً في طريق الوصول إلى هذا الإمام ومانعاً منه، كي يأتي الإنسان ويستفيد من قدرة العشق والمحبّة للوصول إلى هذا الهدف. وإذا كان هناك عقل يريد أن يكون مانعاً من الوصول إلى هذا الهدف ويحرم الإنسان من هذه النعمة العظمى، وعائقاً من تحقيق السعادة في الدارين من خلال طرح القضايا وترتيب القياسات، فهو ليس عقلاً بتاتاً بل عبارة عن قوّة واهمة ومتخيّلة أخذت دور العقل في توجيه هذه القياسات. فعلى الإنسان أن يرجع إلى الحقائق المتقنة والمباني الرصينة والأصول الموضوعة للوصول إلى الحقيقة وكُنه القضايا العقلانية، ويستمدّ منها ويطبّق طريقه وممشاه على الحقّ والواقع بعيداً عن الوسوسة والتوجيهات النفسيّة، وهنا سوف نصل إلى فهم هذه النكتة، وستتضح لنا علّة ترغيب الأئمّة عليهم السلام وحثّهم على إقامة مجالس العزاء لسيد الشهداء عليه السلام.
يقول زيد الشحّام:
كنّا عند أبي عبد الله عليه السلام ونحن جماعة من الكوفيين، فدخل جعفر بن عفان على أبي عبد الله عليه السلام فقرّبه وأدناه ثم قال: يا جعفر! قال: لبيك جعلني الله فداك، قال: بلغني أنك تقول الشعر في الحسين وتجيد، فقال له: نعم جعلني الله فداك، قال: قل! فأنشده صلى الله عليه فبكى عليه السلام ومن حوله حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته. ثم قال: يا جعفر والله لقد شهدت ملائكة الله المقرّبين ههنا يسمعون قولك في الحسين عليه السلام، ولقد بكوا كما بكينا وأكثر. ولقد أوجب الله تعالى لك يا جعفر في ساعته الجنة بأسرها، وغفر الله لك. ثم قال عليه السلام: ألا أزيدك؟ قال: نعم يا سيدي قال: ما من أحد قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى به إلا أوجب الله له الجنّة وغفر له۱.
- بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٢۸٢، نقلاً عن رجال الكشي، ص ٢۸٩.
